باب
الشفاعة
لا يزال المصنف رحمه الله يبين بطلان متعلق المشركين بمعبوداتهم، حيث وضّح بطلان كون تلك المعبودات تضر أو تنفع ولو كانت من أعظم الخلق وأصلحهم كالملائكة. ثم أبطل في (باب الشفاعة) كون تلك المعبودات تشفع لهم عند الله، لأن المشركين قد يقولون: ما عبدنا تلك المعبودات لكونها تملك ضرًا أو نفعا وإنما دعوناهم كي تشفع لنا عند الله بجاهها ومقامها، كما يتقرب بالوجهاء عند الملوك والسلاطين ليجعلوهم وسائط لقضاء حاجاتهم. فأوضح المصنف رحمه الله أن الشفاعة سببها توحيد الله، وإخلاص الدين والعبادة بجميع أنواعها له 0 فالشفاعة مبدؤها من الله وعلى الله تمامها، فلا يشفع أحد إلا بإذنه وهو الذي يأذن للشافع ويقبل شفاعته في المشفوع له. قال ابن القيم (الشفاعة إنما تنال بتجريد التوحيد) أ 0 هـ
قوله [الشفاعة] من الشفع وهو ضد الوتر. ومادة (الشين والفاء والعين) ترجع إلى أصل واحد صحيح وهو: المقارنة، قاله ابن فارس في (المقاييس) ، ومعنى المقارنة موجود في المعنى الاصطلاحي إذ هو: اقتران سؤال الشافع بسؤال المشفوع له لتحقيق مطلبه من جلب منفعة أو دفع مضرة 0 واعلم رحمك الله أن الشفاعة نوعان: ــ
* الأول: شفاعة مثبتة وهي ما توفر فيها شرطان: ــ
أولهما: إذن الله بالشفاعة 0 والثاني: رضاه سبحانه وتعالى عن الشافع والمشفوع له 0
* الثاني: شفاعة منفية، وهي ما كانت شركية أولم يتوفر فيها شرطا الشفاعة المثبتة.
ثم إن الشفاعة المثبتة نوعان: ــ
الأول: شفاعة غير خاصة بالرسول - صلى الله عليه وسلم - اتفاقًا، وهي الشفاعة في أهل الكبائر من الموحّدين أن يخرجوا من النار، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (إن أحاديث الشفاعة في أهل الكبائر ثابتة متواترة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد اتفق عليها السلف الصالح من الصحابة وتابعيهم بإحسان وأئمة المسلمين) 0
الثاني: شفاعة خُص بها الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وهي قسمان: ــ
القسم الأول: ما أتفق على اختصاص الرسول - صلى الله عليه وسلم - به وهو ثلاث شفاعات: ــ
1 -الشفاعة العظمى، وهي شفاعته - صلى الله عليه وسلم - عند ربه بأن يقضي سبحانه بين خلقه ويريحهم من طول الموقف وشدته، وهي تهم جميع أهل الموقف مؤمنهم وكافرهم، وهي المقام المحمود على قول الأكثر من أهل العلم، وبه جزم ابن جرير والقرطبي وابن كثير رحمهم الله، ويدل على ذلك حديث عبد الله بن