باب
ما جاء في منكري القدر
هذا الباب له تعلق بسابقه، وهو واضح جلي لأن الأول يتعلق بقضاء الله وقدره وتعنت الناس تجاهه على ما ذكره ابن القيم، والثاني يتعلق بإنكار القدر وكان في فئة خرجت تتبع جهمًا، وهي الجهمية التي تقول: (إن الأمر أُنُف والله عز وجل لم يقدر الأشياء وإنما الإنسان هو الذي يفعل عمله وهو مخير مطلقًا وليس لله ـ عز وجل ـ معرفة بما يفعله) وهذا يقوله غلاتهم، أي: في مرتبة العلم أيضًا، والمقصود أن إنكار القدر لا شك أنه كفر بالله؛ لأنه إنكار لأصل ثابت في كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وإجماع العلماء.
[قال ابن عمر والذي نفس ابن عمر بيده] وهو الرب تبارك وتعالى.
[لو كان لأحدهم مثل أُحدٍ ذهبًا ثم أنفقه في سبيل الله ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر] وهذا الحديث وارد عن ابن عمر رضي الله عنه في أول صحيح مسلم لمّا بلغه من أناس ينكرون القدر في البصرة؛ فقال هذه الكلمة العظيمة وضرب لها مثلًا ثم استدل بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره) رواه مسلم، ورواه أيضًا البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، والمقصود هو إثبات مرتبة الإيمان بالقضاء خيره وشره، أي خيره للعبد وشره للعبد من حيث كونه شرًا بنظرة معينة؛ وإلا فالأصل أن الشر المفرد المحض لا ينسب إلى الله سبحانه وتعالى؛ وهذا معروف وسبق تقريره بأنه لا يضاف إلى الله عز وجل إلا على صور ثلاث: ـ
ـ أولها: أن يكون في مطلق الخلق.
ـ ثانيها: أن يحذف فاعله.
ـ ثالثها: أن ينسب إلى السبب.
وهذه الصور الثلاث هي التي وردت في كتاب الله سبحانه وتعالى؛ فيقتصر عليها ولا يصار إلى إثبات إرادة الشر إلى الله عز وجل، ولذلك الصحيح أن الشر لا ينسب إلى مفعولات الله عز وجل وإن رأيت الشيء شرًا من جهة فهو خير من حيث موجب خلقه له سبحانه وتعالى، فالشيطان هو شر ولا شك؛ ولكن موجب خلقه كان خيرًا فيه ابتلاء واختبار يميز الله به الخبيث من الطيب وما إلى ذلك، وكذلك قل مثلًا الأمر بقطع يد السارق هي شر للسارق نفسه بأن يُبَتّ عضوًا من أعضائه ولكن فيه خير عظيم بأن يرتدع غيره وأن يكون فيه عبرة لكل معتبر، وهكذا فالشر نسبي؛ والأصل أن الشر ليس إلى الله، وذلك لما جاء في صحيح مسلم من حديث ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (والشر ليس إليك) أي: لا يضاف إلى الله عز وجل مطلقًا؛ وإنما لا يكون إلا على الصور الثلاث المذكورة