آنفًا. هذا ملحظ يجب أن يلحظ في قوله (وتؤمن بالقدر خيره وشره) ففيه إثبات الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره؛ ويقول بعضهم: حلوه ومره.
[وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أنه قال لابنه: (يابني إنك لن تجد طعم الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك) ] هذه الجملة تحتمل معنيين: ـ
ـ المعنى الأول: أن يقصد بها ظاهرها، وهو أن تعرف أن ما أصابك من قضاء الله وقدره لم يكن ليخطئك، وكذلك العكس؛ وإنما كنت مقصودًا به سواءً أكان شيئًا يسرك أو كان غير ذلك فكله أنت المقصود به، والله عز وجل لا يخطيء قضاءه وقدره؛ بل هو مصيب على الوجه الذي قضى به وشائه عز وجل.
ـ المعنى الثاني: أن يكون المقصود أن ما أصابك من قضاء الله وقدره لم يكن ليخطئك حتى لو حاولت أن تشرد منه، وما أخطأك أي: ما ظننت أنه كان عليك ثم أخطأك كأن ترى حجرًا أقبل عليك ثم هربت منه فظننت أنه بمهارتك قد نجوت منه فهذا ليس إليك وإنما هو مقدر عليك، والله عز وجل ما جعل شيئًا يخطئك إلا وقد قضى أنه سيخطئك، وما جعل شيئًا سيصيبك إلا أنه قد قضى وشاء أنه سيصيبك.
[سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: إن أول ما خلق الله القلم] هذه الجملة تحتمل ضبطين: ـ
ـ الأول: (أولَ ما خلقَ الله القلم) بنصب (أولَ) فيكون بمعنى الظرفية والعامل فيه (قال) أي: حال زمن خلق الله القلم أول شيءٍ قال له اكتب. وفيه يُعْلَم أن الحديث لا يدل أن القلم هو أول شيءٍ خلقه الله على هذا الضبط، ويدل عليه أيضًا ما ثبت في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (كتب الله مقادير الخلائق قبل خلق السماوات والأررض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء) فقوله (وكان عرشه على الماء) فيه دلالة أن عرشه سابق للقلم الذي كتب المقادير للخلائق قبل خمسين ألف سنة، وهذا فيه دلالة على سبقية العرش لخلق القلم، وبه جزم شيخ الإسلام في (منهاج السنة) وابن القيم رحمه الله، وكذا غيرهما.
ـ الثاني: (أولُ ما خلقَ الله القلم) فيكون (أولُ) مرفوعًا، أي: على صيغة الابتداء والأولوية في الخلق، وخبره (القلم) ، فيكون أول شيء خُلِق هو القلم، ويدل عليه ما جاء في كتاب (الأسماء والصفات) للبيهقي من حديث ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال (إن أول شيء خلقه الله القلم) أي: أن الله خلق القلم فكان أول شيء.
وهذا الحديث مختلف في صحته، وقد صححه غير واحد؛ فإن كان صحيحًا فهو نص في محل الخلاف؛ فيكون حينئذ مُصَارًا إليه، وقد ذهب إليه جماعة من أهل العلم.