الثاني: أن يكون عارفًا بشخص يحلف له بالله أنه يغلب عليه الصدق أو هو من أهل الصدق، فحينئذ لا يجوز له أن يُنَحِّي حلفه ويمينه ولا يرضاها، فإن ذلك ليس تعظيمًا لله ولا إجلالًا له، وهو مما يخالف التوحيد الكمالي الواجب، لأنه يجب على المسلم أن يعظم الله تعالى، وإذا حُلف له بالله وأُكد الشيء بالله فإنه يجب عليه أن يرضاه تعظيمًا لله تعالى. ويخرج عما ذكره المصنف ما لو عرف عن شخص أنه يحلف بالله كاذبًا، أو بان لك أنه يكذب بأمور وقرائن صحيحة، فإنه لك ألا تأخذ بيمينه ولا ترضى بحلفه، ويدل عليه ما جاء في الصحيحين من حديث العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (أترضون بخمسين يمينًا أو حالف من اليهود، قالوا: لا يا رسول الله) أي: أنهم لا يرضون بحلف اليهود لأن الكذب هِجِّيراهم فلا يصدقون في يمينهم وحلفهم، فهذا رد من الصحابة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد أقرهم عليه، فدل على أنه إذا بان لك قرائن وعرفت أن الشخص يكذب أو أن يمينه كاذبة، فلك أن تردها وأن لا ترضى بيمينه.
قوله [عن ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال (لا تحلفوا بآبائكم، من حلف بالله فليصدق، ومن حُلِف له بالله فليرض، ومن لم يرض فليس من الله) ]
(لا تحلفوا بآبائكم) ويدخل في الآباء الجد وإن علا.
(فليصدق) اللام لام الأمر كما هو معروف عند اللغويين، أي: أمر من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يصدق الإنسان عند الحلف بالله، والله عز وجل يقول {وكونوا مع الصادقين} . وهذا أمر صريح بالصدق. (ومن حُلِف له بالله فليرضى) على الصورتين السابقتين (ومن لم يرض فليس من الله) وعند ابن ماجة بلفظ (ومن لم يرض بالله فليس من الله) . أي فمن لم يرض بالحلف بالله في صورتيه السابقتين، فليس من الله أي: أن الله متبرئ منه.
قوله [ (رواه ابن ماجة بسند حسن) ] وقد حسنه الحافظ ابن حجر في (فتح الباري) .
باب
قول: ما شاء الله وشئت
هذا الباب قاعدته أن الإنسان قد يقع في الشرك في نوعين منه: ــ
الأول: أن يأتي بـ (واو) في نحو قوله (ما شاء الله وشئت) إذ إن الواو تدل على التسوية والمساواة، والمعنى أنك ساويت مشيئة الله تعالى بمشيئة غيره، وكذلك قل في غيرها كما سبق مثالها.
الثاني: أن تأتي بـ (ثم) ولكنك تعتقد التسوية، وهذا شرك بالله أيضًا ولكنه أكبر، خلافًا للأول فإنه أصغر، لأنه من شرك الألفاظ إلا إذا اعتقده بقلبه فإنه ينتقل إلى شرك الإعتقاد المخرج من الملة،