قوله [ {فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون} ] هذا فيه دلالة على أنه لا يجوز الطمأنينة من مكر الله واستدراج الله وأن من اطمأن إلى ذلك فقد خالف الإيمان الكمالي الواجب، فقد نص شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وكذا غيره على أن الطمأنينة من مكر الله واستدراجه تخالف حقيقة الإيمان الكمالي الواجب، وقد سبق أن قررنا أن الإيمان الكمالي الواجب إذا ذهب لا يذهب أصل التوحيد بل يبقى صاحبه في دائرة الإيمان المطلق وفي دائرة الإسلام المطلق ولكن توحيده مخدوش وتوحيده ناقص غير تام.
قوله [وقول الله تعالى {ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضآلون} ] {ومن يقنط} مأخوذة من مادة (قنط يقنط قنوطًا) قال ابن الأثير في (النهاية) "هو أشد اليأس". فالقنوط: هو أشد اليأس وهو يخالف التمسك برحمة الله والأخذ بالرجاء ولذلك لا بد من ا قتران الخوف من مكر الله واستدراج الله مع الرجاء برحمة الله وثواب الله وروح الله، وهما جناحان للمؤمن يحلق بهما في سماء العبودية غير أن السلف رحمهم الله كانوا يغلّبون جانب الخوف مطلقًا، فيما حكاه ابن رجب رحمه الله في كتابه (استنشاق نسيم الأنس من نفحات نسيم القدس) فقد ذكر فيه أن أئمة السلف رحمهم الله كانوا يغلبون جانب الخوف على جانب الرجاء.
ولذلك يقول الإمام سليمان بن عبد الله في كتابه (تيسير العزيز الحميد) ينبغي على المؤمن أن يغلّب جانب الخوف بقلبه فإنه إذا غلّب جانب الرجاء فسد قلبه، غير أن للسلف رحمهم الله سهم غالب في باب الخوف والرجاء يذكره الإمام عبد الرحمن بن حسن صاحب كتاب (فتح المجيد) حيث يقول: (كان السلف رحمهم الله يغلّبون الخوف في وقت الصحة ويغلّبون الرجاء في وقت المرض) ، وهذا يشهد له كثير من الأخبار الواردة عنهم رحمهم الله، وهو مسلك دقيق في هذه المسألة، والمقصود أن القنوط من رحمة الله وروح الله يخالف الإيمان الكمالي الواجب، وكذلك الأنس والطمأنينة من مكر الله لا شك أنه يخالف على ماسبق تبيانه.
قوله [وقوله تعالى {إلا الضآلون} ] من الضلال وهو ضد الهداية، وللسلف رحمهم الله فيه تفسيران: ـ
الأول: المخطئون، وهذا وارد عن ابن عباس رضي الله عنه فيما حكاه ابن أبي حاتم في تفسيره وكذا غيره.
الثاني: الكافرون، وهذا وارد عن جمع من السلف فيما حكاه صاحب (الدر المنثور) ، وسبب كون القنوط من رحمة الله يخالف الإيمان الكمالي الواجب أنه تهمة لله في شيئين: ـ