وأما توحيد الربوبية فهو (إفراد الله بأفعاله، كالخلق والرزق والإحياء ونحوها) وأما توحيد الأسماء والصفات فهو (إثبات ما أثبته الله لنفسه، من الصفات من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل، وكذلك ينفون عنه ما نفاه عن نفسه من غير إلحاد، وكذا الأسماء) . وهذه طريقة جماعة كابن بطة العبكري ومحمد بن إسحاق بن مدّه وغيرهم من السلف، وقررها جماعة كابن تيمية وابن القيم والصنعاني والزبيدي والمقريزي والسفاريني، وكذلك هي طريقة المصنف وقررها أيضًا رحمه الله.
* والطريقة الثانية: تقسيمه إلى قسمين، إلى توحيد في المعرفة والإثبات، وتوحيد في الطلب والقصد، فالأول هو: توحيد الربوبية والأسماء والصفات، والثاني هو: توحيد الألوهية، وقرر هذه الطريقة ابن القيم وابن أبي العز وغيرهما. ودليل تلك الطريقتين في القسمة الاستقراء التام لنصوص الشرع، ومثله استقراء النحاة كلام العرب، فوجدوه لا يخرج عن كونه اسمًا أو فعلًا أو حرفًا، والاستقراء التام حجة قاطعة عند أولي النظر.
قال المصنف رحمه الله [وقول الله تعالى {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} ]
قوله [وقول] تحتمل وجهين في الإعراب إما عطفًا على كلمة (التوحيد) فيكون مجرورًا، لأن المعنى (وكتاب قولِ الله تعالى) ، وإما استئنافًا لكلام جديد فيكون مرفوعًا على الابتداء.
قوله [ {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} ] فيه قصر حكمة خلق الجن والإنس على العبادة دون غيرها من الحكم، لأن النفي إذا أتبع بالاستثناء كان حصرًا قصرًا، وإليه أشار الأخضري في (الجوهر المكنون) بـ (إلا) في قوله: ــ
وأدواتُ القصرِ (إلا) (إنما) ... عطفٌ وتقديمٌ كما تقدما
ومعنى القصر تخصيص شيء بآخر بطريق مخصوص، كما في الآية الآنفة، فقد خصّص مطلق الحكمة بالعبادة بطريق الاستثناء بعد النفي، وإليه الإشارة في (الجوهر المكنون) بقوله: ـ تخصيصُ أمرٍ مطلقًا بأمرٍ ... هو الذي يدعونه بالقصر
قوله [ {ليعبدون} ] قال القرطبي ـ رحمه الله ـ (والمعنى وما خلقت أهل السعادة من الجن والإنس إلا ليوحدون) ، وبه يتضح تناسب الآية مع الترجمة بـ (كتاب التوحيد) ولكنه قصر المعنى على أهل السعادة، والآية عامة. وقال حبان عن الكلبي: إلا ليوحدون، ذكره الثعلبي.
وأحسن ما قيل في تفسير الآية {إلا ليعبدون} هو ما يروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه بقوله: (أي إلا لآمرهم أن يعبدوني، وأدعوهم إلى عبادتي) أ. هـ. ويشهد لهذا قوله تعالى {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} وهو اختيار شيخ الإسلام رحمه الله وعلى هذا القول تكون إرادة عبادتهم المدلول عليها باللام في قوله (ليعبدون) إرادة دينية شرعية، وهي الملازمة للأمر، وهي عامة