فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 293

لجميع من أمرتهم الرسل بطاعة الله، لا إرادة كونية قدرية، لأنها لو كانت كذلك لعبده جميع الجن والإنس، والواقع خلافه.

ومن ثَمَّ تعلم أن الإرادة قسمان: ـ

ـ إرادة كونية: وهي التي ترادفها المشيئة.

ـ وإرادة شرعية: وهي التي ترادفها المحبة.

وبهذا تندفع شبهة كيف خلق الله الجن والإنس لعبادته وفيهم من غير العابد له؟ بل الكافر به!

واعلم أن العبادة التي خُلق الخلق لأجلها تأتي على معنيين: ـ

ـ الأول: معنى لغوي، وهو الذل والخضوع، قال الجوهري: (أصل العبودية: الخضوع والذل) ومنه قول طرفة في معلقته المشهورة: ـ

إلى أن تحامتني العشيرة كلها ... وأُفردت إفراد البعير المعبد

أي: أفردت إفراد البعير المذلل.

ـ والثاني: معنى شرعي، وهو ما عرّفه شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ في أول (رسالة العبودية) بقوله: (هي: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة) كالصلاة والصدقة والدعاء وبر الوالدين وغيرها.

ثم ذكر المصنف رحمه الله آيات أُخر هي في معنى الآية السابقة؛ حيث إن قوله تعالى {ولقد بعثنا في كل أمة رسولًا أن إعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} فيه أمر بعبادة الله عز وجل، واجتناب الطاغوت، قال ابن القيم رحمه الله في (إعلام الموقعين) "الطاغوت ما تجاوز به العبد حَدَّه: من معبود، أو متبوع، أو مطاع".

والمراد أن الآية فيها الأمر بعبادة الله، والنهي عن عبادة ما سواه، ولم يزل تعالى يرسل الرسل بذلك، منذ حدث الشرك في قوم نوح إلى أن خُتِم الرسل بمحمد - صلى الله عليه وسلم -.

وكذلك القول في قوله تعالى {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه} فهي بمعنى: لا إله إلا الله، حيث شملت إثبات العبادة لله إستحقاقًا، ونفيها عما سواه، وأخرج ابن جرير في (تفسيره) عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال" {وقضى ربك} يعني: أمر".

وقال مجاهد:"قضى يعني: وصَّى". وبكلمة (وصَّى) جائت القراءة عن أبيّ بن كعب رضي الله عنه، كما عند ابن جرير في (تفسيره) .

وليُعلم أن قضاء الله وأمره نوعان: ـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت