وهذه الثلاثة صحيحة، وأرجعها ابن القيم رحمه الله في كتابه (مدارج السالكين) إلى شيئين، إلى حب محمدة أو الخوف من مذمة، ولذلك يصدق الأول حين يقول: ــ
يهوي الثناءَ مبرزٌ ومقصرٌ ... حبُ الثناءِ طبيعةُ الإنسانِ
فالإنسان مجبول على حب الثناء ولكنه يدافع نفسه، وهذه المدافعة هي حقيقة الإيمان التي أخبر بها النبي - صلى الله عليه وسلم -.
والطائفة الثانية: هي من ترك العمل لأجل خوف من الرياء، يقول القاضي عياض ترك العمل خوف الرياء رياء وعمل الشيء لأجل الناس شرك، وهذا صحيح كما قاله ابن القيم رحمه الله في ... (المدراج) قال: هذا صحيح. أي أن الرياء شرك والشرك المقصود شرك أصغر، ثم ليعلم أن الرياء له أحكام تتعلق بالعمل الذي صاحبه.
وسبق التنويه إلى ذلك، وحاصله أن العمل الذي صاحبه الرياء نوعان: ـ
إما أن يكون آخره مبنيًا على أوله بحيث يكون متلاحمًا كالصلاة ونحوها وإما أن لا يبنى آخره على أوله كاجزاء التصدق وأيام الصوم. فأما الأول فإن كان قد قصد صاحبه بالعمل كله غير الله فلا شك أنه شرك، وهذا لا خلاف فيه، يقول ابن القيم في كتابه (المدراج) لا خلاف في ذلك، وكذلك جزم به ابن جرير في تفسيره.
وإما أن يكون أصل عمله الإخلاص ولكنه بعد ذلك رآى في صلاته فهذا لا شك أنه لا يصح وأنه باطل، وهذا هو الذي عليه أكثر السلف رحمهم الله ورواية عن أحمد وجزم به شيخ الإسلام ابن تيمية، يقول ابن رجب رحمه الله في شرح الأربعين (لا أعلم خلافًا عن السلف في كون هذه العبادة فاسدة) يعني إذا كانت العبادة لغير الله سوى الأصل الذي بدأت به لله.
والحالة الأخرى أن يطرأ الرياء على العمل أي على جزء من العمل لا على كل العمل أو أغلبه فإن طرأ على جزء من العمل فإما أن يأنس به صاحبه أو لا، فإن لم يأنس به فلا خلاف بين أهل العلم في كونه لا يضره، وقد جزم بأنه لا خلا ف في ذلك الإمام أحمد وابن جرير الطبري وكذلك قاله ابن رجب في شرح الأربعين، ويشهد لذلك ما جاء في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال (إن الله قد تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها مالم تعمل أو تتكلم) وأما إن أنس به صاحبه فاختلف فيه أهل العلم، والمنصوص عن أحمد وهو ما جزم به ابن جرير ويحكى عن الحسن البصري أن عمله صحيح، ويستدلون على ذلك بما أخرجه أبو داوود في مراسيله عن عطاء أنه قال سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - من بعض بني سلمة فقال قائلهم يارسول الله إن بني سلمة ـ بكسر اللام ـ كلهم يجاهدون معك فمنهم من يجاهد للدنيا ومنهم من يجاهد نجدة ومهم من يجاهد لله فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - (إن كل ذلك إذا كان أصل أمره لله فهو لله) واستدلوا