بذلك دلّ أن أهل الأرض يستبشرون بها وإلاّ لما جعلها كذلك، والله عز وجل أقرّ أنّ هذه الرياح تكون مبشرات وأنه يستدل بها على نزول المطر ونحوه، وهذا معلوم عند العرب قاطبة قبل بعثة النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، ثم إنه ليس فيه أكثر من جعل النجوم والكواكب والمنازل ونحوها دلائل وعلامات، ويرجع الأمر قضاءً وتقديرًا إلى الله عز وجل، ولا يجعل لتلك النجوم أو المنازل التأثير أو الانفعال في الأحوال الأرضية بذاتها وإنما هي علامات يهتدى بها.
وأما النوع الثاني: فهو ما يسمى بعلم الأحكام والتأثير، فهذا العلم الأصل فيه المنع وعدم الجواز لأنه محاولة استكشاف لستار الغيب الذي اختص الله عز وجل نفسه به.
وهذا القسم ـ أعني الثاني ـ ينقسم إلى قسمين كبيرين من حيث الحل والحرمة والاتفاق والاختلاف بين أهل العلم تجاهه: ــ
أما القسم الأول: فهو جعل النجوم مؤثرات بالأحوال الأرضية استقلالًا، فكأن الأخذ بهذا العلم جعل النجوم والكواكب في مقام تدبير الخالق سبحانه وتعالى وتصريفه في شؤون خلقه، ولا ريب أن هذا الاعتقاد مصادم للتوحيد الحق لأن فيه صرفًا لنوع من خصائص الله سبحانه وتعالى إلى شيء من النجوم والكواكب والمنازل هنا كالتدبير والتصرف ونحو ذلك، وهذا النوع هو من أنواع السحر الذي أشار إليها النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث ابن عباس رضي الله عنه السابق، وجعلها شعبة من شعب السحر يزيد الإنسان بالسحر كلما زاد بالأخذ من علم التنجيم، والحديث كما سبق رواه أبو داود وصححه النووي رحمه الله في كتابه (رياض الصالحين) .
وأما القسم الثاني: فهو أقل مرتبة من الأول وهو اعتقاد الشخص أن المؤثر في الأحوال الأرضية هو الرب سبحانه وتعالى وأن كل شيء لا يخرج عن قضائه وقدره سبحانه وتعالى إلاّ أنهم يربطون بعض الأحوال الأرضية بالكواكب من حيث السببية فيقولون أن الكواكب والنجوم سبب في نزول مرض فلان ونحو ذلك، وهذا هو من باب الشرك الأصغر لأن جعل الكواكب سببًا في تلك الأمور تمسك بغير شيء، لأن جعلها سببًا ليس صحيحًا شرعًا ولا عقلًا وأنه أخذ من باب الأوهام وسبق معك أن جعل الشيء سببًا وهو ليس بسبب لا شرعًا ولا عقلًا أن ذلك داخل في دائرة الشرك الأصغر وهذا منه.
فيتحصل مما سبق أن التنجيم منه المشروع ومنه الممنوع، أما المشروع منه فهو ما يسميه أهل العلم بعلم الأسباب والتسيير، ويدخل في ذلك العلم بالخسوف والكسوف والأحوال الجوية ونحو ذلك؛ ويدخل في ذلك الكثير من أقوال السلف عندما يتكلمون عن التنجيم، فقد أخرج الإمام ابن جرير الطبري عن إبراهيم النخعي رحمه الله أنه قال: لا بأس أن يتعلم المرء من النجوم ما يهتدي به، وبنحوه روى ابن المنذر في تفسيره كما ذكر السيوطي في (الدر المنثور) عن قتادة، وهذا كله من أقوال