فهرس الكتاب

الصفحة 183 من 293

قوله [ (إن رزق الله لا يجره حرص حريص ... ) ] أي: أن الله قسم الأرزاق بين العباد وقدر أقدارها وكتب لكل نفس رزقها، فلا يحول بين ذلك شيء فكل شيء بقضاء وقدر والله إذا كتب شيئًا قدريًا لا بد أن يكون ويتم، والحاصل أن هذه الأمور على المعاني المذمومة لا شك أنها من ضعف اليقين التي تدل على ضعف الإيمان لأن اليقين هو الإيمان كله كما قاله ابن مسعود وفسره شيخ الإسلام.

قوله [وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال (من التمس رضا الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عليه الناس ... ) ] وقد أخرج الحديث غير واحد ومنهم الإمام البيهقي في كتابه (الزهد) وأخرجه الترمذي، وله طرق وشواهد عديدة يقوى بها؛ وحاصله أنه لا يلتمس رضا الناس بسخط الله وأن ذلك من ضعف الإيمان ومن موجبات نقصانه. ولا شك أنه من المعاصي الكبرى التي صاحبها تحت مشيئة الله إن شاء برحمته وبفضله أن يعفو عنه عفا عنه، وإن شاء بعدله أن يعذبه في نار جهنم ثم يكون مآله إلى الجنة فَعَل سبحانه وتعالى.

فلا يجوز التماس رضا الناس بسخط الله فهذا من موجبات نقص الإيمان وضعفه وإنما يُعْكس ذلك بأن يرضي الله ولو سخط الناس جميعًا لأن الله أخذ على نفسه عهدًا أن من يتقرب إليه بمحابه ومراضيه ولو أسخط الناس فإن الله سيطوع له القلوب وسيجعل المحبة من قبل الناس تجاهه كما جاء في الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال (إذا أحب الله عبدًا قال لجبريل أحبه فإذا أحبه جبريل أمر ملائكة السماء أن تحبه فإذا أحبوه وضع له القبول في الأرض) وهذا لا شك أنه يدل دلالة تامة على أن الإنسان لا يعبأ بالخلق ولايعبأ بسخطهم وغضبهم ومقتهم وإنما يكون همه كله متعلقًا برضا الله سبحانه وتعالى وسخط الله؛ رضاه بحيث يفعل أوامره وسخطه بحيث يجتنب كل ما يوجب سخطه سبحانه وتعالى.

وليعلم أن هذا الباب هو من الأبواب التي لأهل السنة والجماعة تفصيل فيها، ذلك أن الخوف إما أن يكون من باب القرب والعبادة أوْ لا، فإذا كان من باب القرب والعبادة: نوعان: ــ

الأول: أن يكون عبادة وقربة لله سبحانه وتعالى فلا شك أن هذه العبادة المطلوبة والطاعة المنشودة.

الثاني: أن يكون تقرب وعبادة إلى غير الله إلى صنم أو وثن أو نحو ذلك، ولا شك أن ذلك كفر أكبر لأنه عبد غير الله وصَرَف نوعًا من أنواع العبادة إلى غير الله، وهذا يخالف تمحيض العبادة لله تعالى، وقد سبق معنا أن من صرف نوعًا من أنواع العبادة لغير الله فهو كافر.

وإن كان لا على جهة التقرب والتعبد فهو نوعان: ــ

الأول: أن يكون خوفًا يصل إلى مرتبة الخوف والعبادة وإن لم يقصد به التقرب والتعبد، فإن وقع لغير الله فلا شك أنه كفر أكبرمخرج من الملة لأنه خاف من شيء كخوفه من الله عز وجل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت