يحتاجه من كسب وبيع ونحوهما. ـ فهذا لا شيء فيه وإنما توكله واعتماده في طلبه على الله سبحانه وتعالى وفق ما فصل في باب التوكل وفي باب الأسباب ـ. والثانية: ما لا احتياج للعبد إليه ولكنه يركض وراءه ويريده ويطلبه وهذا إذا مال القلب إليه مالت شعبة من القلب إليه وربما أدخله في الكفر). قاله ابن تيمية رحمه الله، فكان عنده شعبة من الكفر في ذلك الميل والقصد والطلب في الدنيا، أي بجنس أعماله التي يتقرب بها إلى الله عز وجل، أو ليست مما يتقررب بها إلى الله لكنه اعتمد على السبب اعتمادًا كليًا وبحث وراءه، وهذا لا شك أنه من جنس الشرك كما سبق تقريره في باب الأسباب.
ويذكر الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في رسالة (الإستنباط) له، أن إرادة الحياة الدنيا وزينتها وتوفية العبد طلبه فيها على ما جاء في الآية يدخل فيه صور: ــ
أولها: أن يعمل الإنسان عملًا صوابًا وفق هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - ولكنه لا يريد وفاءه في الآخرة ولا ثوابه في الآخرة وإنما يطلب أثره في الدنيا، مثال ذلك أن يخرج الإنسان زكاة ماله حتى ينمي ماله في الدنيا ويبارك له في ماله في الدنيا لعلمه أن البركة والنماء والكثرة معقودة بزكاة هذا المال، فهو لا يطلب الثواب على هذا العمل من الله في الآخرة ولا يرجوه ولا يريده وإنما يطلب ثوابًا في الدنيا يوفاه، فهذا يوفى في الدنيا عمله، وهذا مروي عن مجاهد ابن جبر رحمه الله كما جاء في تفسير ابن جرير الطبري مسندًا.
والصورة الثانية: أن يريد الإنسان مالًا لعمل هو لله في أصله، فيكون موظفًا في مسجد كأن يكون إمامًا أو مؤذنًا أو نحو ذلك، ويواظب في الحظور في الصلوات والتبكير لهما لا لأجل أن يثاب عنه وإنما ليأخذ المال تامًا دون نقصان وحتى لا يقعد عن هذه الوظيفة التي أخذها وأخذ عليها جعلًا، وهذه الصورة يقول عنها الشيخ محمد ابن عبد الوهاب في (الأستنباط) وقد وقع فيها أكثر الناس لأن أكثر الناس لو نُحُو عن هذه الوظائف وعن المال الذي يعطونه لما وفوا بالمواظبة ولا التبكير ولا بالعمل الذي كانوا عليه.
وإنما كان الأولون يتقاضون مالًا على وظائف دينية في أصلها هم يريدون ثوابها من الله عز وجل وإذا أتاهم جعل أو مكافأة أو نحو ذلك من بيت مال المسلمين فإنهم يستعينون بها على طاعة الله ويعملون ذلك فيما يخدم هذه الوظيفة كما كان يفعل أبو بكر الصديق وكما كان يفعل عمر رضي الله عنهما، وكما كان يفعل كثير من القضاة وغيرهم لما كانوا يأخذون جعلًا، وإنما يعملون ذلك في هذه الوظيفة وتحسينها وما إلى ذلك. فهذه الصور كلها تدخل في هذه الآية كما جزم بذلك الإمام محمد بن عبد الوهاب في رسالته (الإستنباط) .