قوله [ (وإذا شيك فلا انتقش) ] إي: إذا أصابته شوكة فلا يستطيع أن ينتقشها ويستخرجها، وهذا من شدة دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - عليه، أي لا يستطيع أن يستخرج الشوكة التي غالب الناس يستطيعون أن يستخرجونها إذا وقعت فيهم حتى الأعمى فهو يتلمس حتى يجدها فيستخرجها، وهذا من تمام الضلالة والغواية والدعاء عليه بضد قصده بألا يحصل إلا على الخيبة حتى في أدق الأمور لا يوفق فيها.
قوله [ (طوبى لعبد أخذ بعنان فرسه) ] (طوبى) قال ابن الأثير هو اسم للجنة، وجاءت روايات كما عند أحمد وغيره أنها شجرة يسير الراكب فيها مائة سنة لا يقطعها، وحقق ابن القيم في كتابه (حادي الأرواح) أن طوبى مأخوذة من الطيابة وهي الشيء الطيب الحسن إذ أن الجنة طيبة لا يدخلها إلا طيب وأشجارها وثمارها وأنهارها كلها طيبة، وهذا دعاء من النبي - صلى الله عليه وسلم - لمن كان حاله كذلك.
قوله [ (بعنان فرسه) ] العنان: مقود الفرس.
قوله [ (في سبيل الله) ] وهو الجهاد في سبيل الله، أن لا يقصد إلا الله تعالى فلا يقصد شيئًا من أعراض الدنيا وأغراضها.
قوله [ (أشعث رأسه) ] (أشعَثَ) مخفوضة بالفتحة نيابة عن الكسر الممنوع من الصرف لأنه على زنة الفعل والوصفية، هاتان علتان تمنعه من الصرف. رأسه: فاعل.
قوله [ (مغبرة قدماه ... ) ] (مغبرة) صفة للعبد، (قدماهُ) على الفاعلية مرفوعة.
(أشعث رأسه) أي طائر الشعر، ثائر الرأس؛ فهو لا يهتم بتسريحه ودهانه ونحو ذلك من التزيين الذي يكون عليه أصحاب الدنيا وطلابها والبعداء عن مثل هذه الأحوال، أحوال الجهاد في سبيل الله و (مغبرة قدماه) أي أنه قد اغبرت قدماه من حسن بلائه في سبيل الله عز وجل، فهو لا يهتم بما يهتم به أرباب الدنيا وعبيدها وطلابها المتزينون بالحلل ونحو ذلك.
قوله [ (إن كان في الحراسة كان في الحراسة وإن كان في الساقة كان في الساقة) ]
هذه الجملة تحتمل أحد معنيين، كما يقول الشراح: ـ
الأول: أن يكون المقصود أنه لا يطلب رفعة ولا رئاسة عند ذهابه في الجهاد وإنما هو متواضع لله متذلل له لا يريد إلا الشهادة ونصرة (لا إله إلا الله) ورفع راية الله، يدل عليه ما جاء في صحيح مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال (رُبَّ أشعث مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره) وهذا من صلابة دينه وقوة تقواه وقربه من الله سبحانه وتعالى مع كونه مدفوع بالأبواب، مع كونه لا يؤبه له مع كونه خامل الذكر، يقول الحافظ ابن حجر في (فتح الباري) (وفي هذا الحديث دلالة على التواضع والخمول يعني خمول الذكر) .