فهرس الكتاب

الصفحة 210 من 293

والقاعدة في هذا هو منهج السنة والجماعة وهو وسط بين طرفي نقيض، وأما الطرف الأول فهم الذين يستهزؤن بأولي الأمر والعلماء ولا شك أن المستهزيء بالعالم الذي يفتي بحكم الله ويتبع أمره فلا يخرج عن حالتين، إما أن يقصد الشخص بنفسه وبعينه بعيدًا عن العلم الذي هو عليه فهذا من باب السخرية الذي نهى عنها الرب سبحانه وتعالى، قال تعالى {ياأيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرًا منهم} وجاء في صحيح البخاري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال (الكبر بطر الحق وغمط الناس) لإستحقارهم فهذا لا شك من باب الإستحقار والإستهزاء والسخرية وهذا لا يجوز وصاحبه عليه إثم. أو أن يقصد باستهزائه بهم لأجل دينهم والسنة التي هم ملتزمون بها فهذا لاشك أنه كافر بالله خارج من الدين مرتد على عقبيه كما هو مجمع عليه عند أهل السنة والجماعة وقد ذكره غير واحد منهم ابن تيمية في (مجمع فتاوبه) .

وأما الطرف الآخر فهم الذين يغلون في العلماء وأولي الأمر فيقدسونهم ويطلقون عليهم قداسة حتى يجعلونهم فوق المرتبة التي جعلت لهم، وهذا ما يفعله أرباب التصوف مع علمائهم ومن يعكفون عنده كمريدين له، ولا شك أن لهذا صورًا منها أنهم إذا حرموا شيئًا اتبعوه وإن كان حلالًا في دين الله وإن أحلوا شيئًا فإنهم يحلونه وإن كان محرمًا في دين الله، وما ذلك إلا أنهم يقولون رأي أرباب التصوف ومن حذى حذوهم أن علماءهم يأخذون الوحي من الله إلهامًا أو كشفًا أوغير ذلك، ولذلك يأتي عليهم أشياء ويحكى عن عبد القادر الجيلاني رحمه الله كما ذكره ابن تيمية رحمه الله في (مجموع فتواه) أن الشيطان تمثل له وقال يا عبد القادر أنا ربك قد أحللت لك ما حرمته على غيرك فقال له: اخسأ يا عدو الله فأنت الشيطان، إلى آخر الحكاية المعروفة، ولذلك امتدحه شيخ الإسلام وأشاد من ذكره رحمه الله وأن له موقفين هذا أحدهما وأثنى عليه فيه.

ولا شك أن طاعة الأمراء والعلماء لا تخرج عن صورتين: ــ

الأولى: أن يكون عن جهل.

الثانية: أن يكون عن علم. فأما ما كان عن علم فإنه يعلم أن الحلال حرام وأن الحرام حلال، أي على خلاف ما ذكره له ولي أمره من أمير أو عالم فله صورتان: ــ

الأولى: أن يحل الحرام ويحرم الحلال وهو راض بذلك ساخر بحكم الله فهذا لا ريب في كفره وخروجه من الدين بإجماع المسلمين قاله بن تيمية رحمه الله.

والثانية: أن يكون عالمًا أن ذلك على خلاف ما أمر الله به ففيه تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل ولكنه يفعل ذلك وهو مقر خائف على نفسه العقوبة فهذا من جنس الفساق الذين يأثمون بفعلهم، ولا شك أنهم قد أصابهم الفسق بهذا الفعل، قاله ابن قيم الجوزية كما في كتابه (مدارج السالكين) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت