ويحتمل كون (من) موصولية. ذلك أن التبرك بشجر أو حجر وغيرها غلوٌّ فيها، وذريعة إلى دعائها وعبادتها، وهذا هو الشرك الأكبر.
والتبرك تفَعّل: من البركة، والتبرك طلب البركة، والتبرك بالشيء طلب البركة بواسطته. يقول ابن فارس في (مقاييس اللغة) :"الباء والراء والكاف أصل واحد، وهو ثبات الشيء".
وقال:"قال الخليل: البركة من الزيادة والنماء".
واعلم رحمك الله أن التبرك نوعان: ـ
* الأول: تبرك مشروع، كقوله - صلى الله عليه وسلم: (اجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله عليه يبارك لكم فيه) أخرجه أحمد في (المسند) وكذا غيره.
* الثاني: تبرك ممنوع، ومن ذلك التبرك بالصلاة عند قبور الصالحين، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في (الاقتضاء) :"فأما إذا قصد الرجل الصلاة عند بعض قبور الأنبياء، أو بعض الصالحين، تبرّكًا بالصلاة في تلك البقعة، فهذا عين المُحادّة لله ورسوله، والمخالفة لدينه وابتداع دين لم يأذن به الله".
وعلى كلٍ فالتبرك قد يقع بأقوال وأفعال، أو أزمنة وأمكنة، وهاهنا قواعد لا بد من معرفتها في هذا الباب: ـ
ـ الأولى: أن البركة كلها إنما هي من الله وحده، فهو مالكها وواهبها، فلا تطلب من غيره.
ـ الثانية: أن جَعْل شيء سببًا في حصول بركة وخير؛ لا بد من دليل صحيح عليه، إذ الأصل في ذلك التوقّف.
ـ الثالثة: أن الشيء إذا ثبت دليل بركته، لم يَخْرج عن أحكام باب الأسباب، من كونه لا يخرج عن قضاء الله وقدره، وأن واهب البركة هو الله حقيقة، لا السبب، إلى غير ذلك.
ـ الرابعة: أن التبرك بما ثبتت بركته؛ لا يفيد غير المؤمن بالله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -.
ـ الخامسة: طريقة التبرك بما ثبتت بركته شرعًا ينبغي أن تكون شرعية، وأن لا يبتدع في ذلك هيئات وطرائق لم يفعلها السلف الأول رحمهم الله.
قوله [وقول الله تعالى {أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ... } ]
هذه أسماء آلهة عند المشركين، فأما (اللات) ـ بتخفيف التاء وتثقيلها كما في قراءة ـ فصخرة عظيمة بيضاء منقوش عليها بيت في الطائف له أستار وسدنة، وحوله فناء معظَّم عند أهل الطائف.