فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 293

(الرديف) من: الإرداف، وهو: من تحمله خلفك على ظهر الدابة، وقد كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقتها مع معاذ رضي الله عنه على حمار أهداه إليه المقوقس صاحب مصر، يسمى بـ (عفير) ، وفي ركوبه - صلى الله عليه وسلم - على الحمار تواضعٌ جَمّ، خلافًا لأهل الكِبر.

قوله [ (ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله) ] أي: أن ذلك حق كتبه الله تعالى على نفسه تفضلًا وإحسانًا، وهو متحقق لا محالة {وعد الله لا يخلف الله وعده} يقول ابن تيمية رحمه الله:"كون المطيع يستحق الجزاء فهو استحقاق إنعام وفضل من الله، ليس استحقاق مقابلة، كما يستحق المخلوق على المخلوق". وما أحسن قول القائل: ـ

ما للعباد عليه حق واجب ... كلا، ولا سعي لديه ضائع

إن عُذِّبوا فبعدله، أو نُعموا ... فبفضله وهو الكريم الواسع

قوله [ (حق الله على العباد أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئًا) ] أي: يوحدونه بالعبادة، ولا يشركون معه أحدًا، بل يتجردوا من الشرك كله، خفِيّه وجلِيّه، صغيره وكبيره. وقد سبق معنا تعريف العبادة، وللعبادة أصلان لابد من اجتماعهما لقبول العبادة: أحدهما؛ إخلاص العبادة لله تعالى، والثاني متابعة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولُبُّ العبادة محبة الله تعالى، بل إفراده عز وجل بالمحبة، فلا يُحَبُّ معه سواه، وإنما يُحَب ما يحبه لأجله وفيه تعالى، يقول ابن القيم رحمه الله:"وإذا كانت المحبة له هي حقيقة عبوديته وسِرُّها، فهي إنما تتحقق باتباع أمره واجتناب نهيه، فعند اتباع الأمر والنهي تتحقق العبودية والمحبة".

وذلك أن للعبادة أربع قواعد، وهي: التحقق بما يحبه الله ورسوله ويرضاه، وقيام ذلك بالقلب واللسان والجوارح، فالعبودية: اسم جامع لهذه المراتب الأربع، فأصحاب العبادة حقًا هم أصحابها.

قوله [ (وحق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئًا) ] وهذا تُفَسِّره الرواية الأخرى: (ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صدقًا من قلبه إلا حرَّمه الله على النار) لذا قال الحافظ في (الفتح) عن الرواية الأولى:"اقتصر على نفي الإشراك؛ لأنه يستدعي التوحيد بالاقتضاء). وهذه البشارة العظيمة تحصل لمن حقق التوحيد، وسيأتي معنا إن شاء الله معنى تحقيق التوحيد وأنواعه."

قوله [ (أفلا أبشر الناس؟) ] أي: يبشرهم بفضل من حقق التوحيد، وتمسك به.

قوله [قال: (لا تبشرهم فَيَتَّكِلوا .. ) ] الاتِّكال هو الاعتماد على شيء، والمعنى: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خشي أن معاذًا لو أخبر الناس بالبشارة السابقة أن يعتمدوا على ذلك ويتركوا التنافس في عمل الصالحات. وإنما أخبر معاذ بتلك البشارة عندما رواها خشية الإثم، حيث جاء في الرواية: (فأخبر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت