أكبر الله أكبر.! ... في صوت تقشعرّ منه جلود الذين يخشون ربّهم، غير أن الناس مما ألفوا هذه الكلمة، ومما جهلوا من معناها، لا يسمعونها إلا كما يسمعون الكلام .. !
ـ ويقول في بيان أسرار المسجد، وما يوحي به من معانٍ:
"وعرفت من معنى المسجد مالم أعرف من قبل، حتى كأنّي لم أدخله من قبل، فكان هذا الجالس إلى جانبي كضوء المصباح في المصباح، فانكشف لي المسجد في نوره الروحيّ عن معان أدخلتني من الدنيا في دنيا على حدة، فما المسجد بناء ولا مكانًا، كغيره من البناء والمكان، بل هو تصحيح للعالم الذي يموج من حوله ويضطرب، فإن في الحياة أسباب الزيغ والباطل والمنافسة والعداوة والكيد ونحوها، وهذه كلها يمحوها المسجد إذ يجمع الناس مرارًا في كل يوم على سلامة الصدر، وبراءة القلب، وروحانيّة النفس، ولا تدخله إنسانيّة الإنسان إلا طاهرة منزّهة مسبغة على حدود جسمها من أعلاه وأسفله شعار الطهر الذي يسمّى الوضوء، كأنما يغسل الإنسان آثار الدنيا عن أعضائه قبل دخوله المسجد."
ثمّ يستوي الجميع في هذا المسجد استواء واحدًا، ويقفون موقفًا واحدًا، ويخشعون خشوعًا واحدًا، ويكونون جميعًا في نفسيّة واحدة وليس هذا وحده، بل يخرّون إلى الأرض جميعًا ساجدين لله فليس لرأس على رأس ارتفاع، ولا لوجه على وجه تمييز، ومن ثمّ فليس لذات على ذات سلطان. هل تحقّق الإنسانيّة وحدتها في الناس بأبدع من هذا.؟ ولعمري أين يجد العالم صوابه إلا هاهنا.؟
فالمسجد هو في حقيقته موضع الفكرة الواحدة الطاهرة المصحّحة لكل ما يزيغ به الاجتماع.