والاجتماع به، وليس ذلك من الهجران المحرم لأن شرطه أن يلتقيا فيعرض هذا وهذا، وكأن فاطمة عليها السلام لما خرجت غضبى من عند أبي بكر تمادت في اشتغالها بحزنها ثم بمرضها.
وأما سبب غضبها مع احتجاج أبي بكر بالحديث المذكور فلاعتقادها تأويل الحديث على خلاف ما تمسك به أبو بكر، وكأنها اعتقدت تخصيص العموم في قوله:"لا نورث"، ورأت أن منافع ما خلفه من أرض وعقار لا يمتنع أن تورث عنه، وتمسك أبو بكر - رضي الله عنه - بالعموم، واختلفا في أمر محتمل للتأويل، فلما صمم على ذلك انقطعت عن الاجتماع به لذلك، فإن ثبت حديث الشعبي أزال الإشكال، وأخلق بالأمر أن يكون كذلك لما علم من وفور عقلها ودينها عليها السلام. [1]
وأهل السُّنة في هذه المسألة لا يبحثون عن عذر لأبي بكر وإنما يبحثون عن عذر لفاطمة لأنهم يرون أن أبا بكر يستدل بحديث متواتر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - رواه أبو بكر وعثمان وعمر وعليّ نفسه والعباس وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص والزبير بن العوام، كل هؤلاء رَوَوْا الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم:"إنا لا نورث ما تركناه صدقة".
ففاطمة رضي الله عنها لما قبلت منه هذا الكلام حاول أهل السُنَّة أن يبحثوا عن عذر لفاطمة لا لأبي بكر، لأنهم لا يرون أن أبا بكر قد أخطأ في حق فاطمة.
وقالوا: غضبت على أبي بكر، ونقول: ما يضر أبا بكر إذا غضبت عليه فاطمة إن كان الله رضي عنه، فقد قال الله تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} . [2] وأبو
(1) فتح الباري (6/ 202) .
(2) سورة الفتح الآية (18) .