وأما علم الكلام فأصحابهم لاشتغالهم بالملاحدة قل اعتمادهم على النقل وكان معظم احتجاجهم بما يجنح إليه العقول لكي يسلمه الخصم، وربما يأولون القرآن إلى غير مراده فرارا عن اعتراضات المعاند، إذ لم يهتدوا لصحيح التأويل وتطبيق المعقول بالمنقول، فجعلوا للتأويل -لا نقول أبوابا بل ثلما- يخرجون منها حين لم يمكنهم الدفاع على وجه مستقيم، حتى قال بعضهم كالرازي -عفا الله عنه- إنه لا اعتماد على ظاهر القرآن لعله يكون من المتشابهات. فجعل القرآن كله ملتبسا، ولم يكن ذلك إلا لعدم تأسيس أصول التأويل العامة التي يعتمد عليها في كل ما يستنبط من القرآن، سواء كان من فروع الشرائع أو الأخلاق والعقائد.
فإن جعلت القرآن أصلا لتمام علم الدين كما هو في الحقيقة، صار من الواجب أن يؤسس أصول للتأويل، بحيث تكون علما عاما لكل ما يؤخذ من القرآن.