بيان الخلل الفاحش الذي وقع في طريق تعلم الدين من جعل علم التأويل مقصورا على الفقه
لا يخفى أن الدين معظمه ترقية النفوس وتربية العقول وإصلاح الأعمال الظاهرة أي الأخلاق والعقائد والشرائع. والقرآن قد تكفل كل ذلك بأحسن ما يكون. وكل ذلك متصل بعضها ببعض، وبجميعها تحصل التزكية وهي الغاية والمطلوب.
ولهذه الثلاث نشأت ثلاثة علوم: علم الأخلاق والمواعظ، وعلم الكلام، وعلم الفقه. وإذ جعل علم التأويل مقصورا على الفقه، بقي علم الأخلاق والكلام فارغين عنه فلا تجده مستعملا فيهما.
أما علم الأخلاق، فاتسع بأهله حتى تشبثوا بكل ما راقهم وأعجبهم، فمنهم من يبنيه على الحكمة العلمية التي تلقوها من الفلاسفة، منهم من يعتمد على تجاربه، ومنهم من يبنيه على الروايات الضعيفة. وربما يأخذون من القرآن حسب تأويلاتهم الركيكة. وذلك لظنهم بأنه لا حاجة إلى صحة الاستدلال في الترغيب والترهيب ومدح الحسن وذم القبيح.
ومنهم طائفة من المتصوفة تكلموا في العقائد يأولون القرآن إلى ظنونهم لجهلهم بالعربية وبحقيقة هذا الدين. ويزعمون أنهم أعرف بالقرآن وأسراره. وتجد أمثلة ذلك في كلام ابن العربي.