الزيغ في التأويل وتحفظ عن التفسير بالرأي، وتكون كالمعيار والميزان لكل ما يؤخذ من القرآن.
لا شك أن طرفا من علم التأويل كان مستعملا في فروع الشرائع كعلم جزئي، ولكن لم يستعملوه في فهم معاني القرآن كميزان يرجع إليه ويعتمد عليه، وإن كان أحق به وأجدر. فلذلك وقع الخلل الفاحش في بناء العلم الذي جعلوه أساسهم للتأويل، حتى استغنوا عن تحقيق وجوه الألفاظ والمعاني، وأعرضوا عن طلب الوجوه للربط والنظام بين أجزائه، وتولوا عن النظر في الأخذ بأحسن الوجوه وما كان أوفق بالمقام وعمود الكلام، وغير ذلك من التمسك بسياق الكلام وسباقه، وحمل النظير على النظير، ولا يخفي أن رعاية هذه الوجوه كانت أساسا وحيدا لفهم المعنى المراد من أي كلام كان، وإذ لم يراعوها ذهبوا حيث شاؤوا وتشبثوا بكل ما راقهم وأعجبهم، حتى أولوا القرآن إلى آرائهم المختلفة وفرقوا دينهم وكانوا شيعا، كل حزب بما لديهم فرحون.
إن هذه الأصول التي استنبطها أستاذنا الإمام لتأويل القرآن وجمعتها في هذا المجموع فقد سدت أبواب الاختلافات في فهمه ونفت الاحتمالات عن تأويله وتبينت أن القرآن قطعي في دلالته، وليس لعبارته إلا مدلول واحد. ولكن الأسف كل الأسف أن لم يتيسر له أن يتمها ويكملها، وذلك ما خسرت به الأمة، ولكن مع ذلك ما حقق منها- إن لم يعط له ما كان ينبغي له من العناية- قد أحاط بأكثر مما يقتضيه هذا الفن، فالرجاء أنه إن سبرنا غوره وجدناه كافيا إن شاء الله.
بدر الدين الإصلاحي