كتاب
هل أنت حي أم ميت؟!
د. حسني البشبيشي
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، أما بعد:
ـ هذا الكتاب هو بيان لكيفية تحقيق حب الله والخضوع له والخوف منه ورجاؤه والخوف من الآخرة، ولكي تتحقق هذه المشاعر لابد أولا من معرفة الله والآخرة، ولابد أن يكون القلب حي يقظ حتى يشعر بقيمة وخطورة هذه المعرفة، وصاحب القلب الحي اليقظ هو إنسان حي لم يطبع على قلبه، وغيره ميت القلب لأنه لا يشعر بقيمة ما يعرفه عن الله والآخرة.
ـ ويمكن توضيح الأمر بأن تتصور أن أحد الناس كان يجلس على مكتبه داخل أحد المباني الكبيرة يؤدي عمله في هدوء، ثم فجأة دق جرس الإنذار، لكنه لم ينزعج وبقي هادئا في مكانه جالسا على مكتبه، رغم أنه كان يعلم أن جرس الإنذار يعني أن هناك حريق بالمبنى ويوقن بذلك تماما، وأسرع الناس في المبنى يلوذون بالفرار وهم ينادون على هذا الرجل الجالس على مكتبه: احذر النار احذر النار!، ألا تعلم أن هناك حريق كبير بالمبنى؟، فيقول لهم في برود أعلم ذلك، وبقي في هدوءه منشغلا بأعماله، وظل الناس ينادون عليه حتى نبح صوتهم من كثرة النداء، لكن لا حياة لمن تنادي، فكأنما ينادون رجلا لا عقل له أو ينادون أصما لا يسمع أو ينادون جماد من الجمادات أو ينادون رجلا ميتا ليس لديه أي إحساس أو عقل أو وعي، إنه فعلا ميت وليس بحي، وكما يقول الشاعر: لقد أسمعت إذ ناديت حيا، ولكن لا حياة لمَنْ تنادي، فمهما أنذرته فلن يستجيب إلا إذا كان حيا: (( لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ ) ) [1] (( إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ ) ) [2] ، (( إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ) ) [3] .
ـ إن هذا الكتاب يبين قضية الانزعاج التي ينبغي أن تحدث لهذا الرجل، وهي أقرب إلى مفهوم (اليقظة) التي عرفها ابن القيم بأنها انزعاج القلب لروعة الانتباه من رقدة الغافلين [4] ، فهذا الرجل ليس لديه إحساس بقيمة ما يحدث حوله فهو كالميت.
ـ إن الرسل جاءت لتنذر الناس بوجود الآخرة والجنة والنار، وهذا الإنذار أشد من الإنذار بوجود حريق أو خطر ما، ورغم ذلك هناك من لا ينزعج للأمر ويدعي أنه يخاف الآخرة، والخطر أن الله يعلم هل في داخل الإنسان انزعاج وخوف وتأثر بالأمر أم لا: (( وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ ) ) [5] .
ـ المعرفة بوجود الغيبيات والرسل والقرآن هي أمور خطيرة لابد من الإحساس بخطورتها متمثلا ذلك في الانزعاج (الإحساس بالقيمة للأمر الخطير) .
ـ وهذا الانزعاج معناه أن الإنسان حيا.
ـ كما أنه إذا تحقق هذا الانزعاج تحقق اليقين الحقيقي بالغيبيات.
ـ واليقين الحقيقي بالغيبيات يؤدي إلى خمسة مشاعر هي خوف المهابة والحب وخوف العقاب ورجاء الثواب والخضوع لله تعالى، والمشكلة أن هذه الأمور الخمسة تحولت عند بعض المسلمين إلى عبارات محفوظة مقدسة وليست مشاعر حقيقية
(1) يس: 70
(2) النمل: 80
(3) الأنعام: 36
(4) مدارج السالكين - (1/ 123)
(5) البقرة: 235