ـ ويمكن تشبيه ذلك بأن الرسول (ص) جاء إلى الناس ليحذرهم من أن هناك خطر عظيم سوف يجتاحهم، هذا الخطر هو جيش جرار جاء ليقضي عليهم، فكان طائفة منهم لم يتأثروا ولم ينتبهوا لخطورة الأمر ولم يشعروا بالخوف والرعب، ومن أثر ذلك أنهم لم يتحركوا من مكانهم ولم يهربوا وكأن شيئا لم يكن وكأنهم لم يسمعوا وكأنهم كالحائط الذي لا يحس، وبقوا مكانهم منشغلين بحياتهم وطعامهم وشرابهم، فهؤلاء جاء الجيش إليهم فقضى عليهم، وطائفة أخرى تحركت مشاعرهم وشعروا بالخوف ولاذوا بالفرار فنجو من الجيش، وهذا المثل هو ما أوضحه الرسول (ص) ففي الحديث: (( إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قوما فقال يا قوم إني رأيت الجيش بعيني وإني أنا النذير العريان فالنجاء النجاء فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا فانطلقوا على مهلهم فنجوا وكذبت طائفة منهم فأصبحوا مكانهم فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم فذلك مثل من أطاعني فاتبع ما جئت به ومثل من عصاني وكذب بما جئت به من الحق ) ) [1] ، ومعنى"أنا النذير العريان"أصله أن الرجل كان إذا أراد إنذار قومه وإعلامهم بما يوجب المخافة نزع ثوبه وأشار به إليهم إذا كان بعيدا منهم ليخبرهم بما دهمهم، وإنما يفعل ذلك لأنه أبين للناظر وأغرب وأشنع منظرا فهو أبلغ في استحثاثهم في التأهب للعدو وقيل معناه أنَا النَّذِير الَّذِي أَدْرَكَنِي جَيْشُ الْعَدُوّ، فَأَخَذَ ثِيَابِي، فانفلت منهم، فَأَنَا أُنْذِركُمْ عُرْيَانًا.
ـ وفي الحديث: (( وكان إذا ذكر الساعة احمرت وجنتاه وعلا صوته واشتد غضبه كأنه نذير جيش يقول صبحكم مساكم ) ) [2] ، وفي الحديث: (( لما نزلت {وأنذر عشيرتك الأقربين} جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا فخص وعم فقال يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار ) ) [3] ، وفي حديث آخر: (( مثلي كمثل رجل استوقد نارا فلما أضاءت ما حولها جعل الفراش وهذه الدواب التي يقعن في النار يقعن فيها وجعل يحجزهن ويغلبنه فيقتحمن فيها فذلك مثلي ومثلكم، أنا آخذ بحجزكم عن النار هلم عن النار هلم عن النار فتغلبوني فتقتحمون فيها ) ) [4] .
ـ يقصد بالموت أن وظائف الإنسان فقدت الإحساس بالقيمة، فأصبح الإنسان يرى بغير إحساس بقيمة ما يراه، ويسمع بغير إحساس بقيمة ما يسمعه ويتكلم بغير إحساس بقيمة ما يتكلم به، ويعرف ويعلم ويفهم بغير إحساس بقيمة ما يعرفه أو يعلمه أو يفهمه، ويؤمن ويوقن ويصدق ويقتنع بغير إحساس بقيمة ما يؤمن به وما يوقن به وما يصدق به وما يقتنع به، ويحب ويكره بغير إحساس بقيمة ما يحبه وما يكرهه، ويسعى ويعمل بغير إحساس بقيمة ما يسعى إليه ويعمله.
ـ وبالتالي أصبحت وظائف الإنسان معطلة عن العمل كأنها ميتة، فإذا كان أمام الإنسان قطعة من الطين وقطعة من الذهب فكلاهما في شعوره سواء لأنه أصبح فاقد الإحساس بالقيمة، فالدنيا قطعة من الطين والجنة قطعة من الذهب وكلاهما حقيقة واقعة لكنه لا يرى لقطعة الذهب قيمة ويغتر بزينة على قطعة الطين.
ـ يطلق على الموت الطبع على القلب وهو غياب الإحساس بالقيمة من وظائف الإنسان فأصبحت معطلة كأنها غير موجودة، وفي تفسير البحر المحيط: (((وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) .. وقال مجاهد: يحول بين المرء وعقله فلا يدري ما يعمل عقوبة على عناده ففي التنزيل {إنّ في ذلك لذكرى لمن كان له قلب} أي عقل )) [5] .
ـ الإحساس بالقيمة معناه الإحساس بأهمية الشيء وخطورته أي الإحساس بقيمة النفع أو الضرر التي فيه أي الإحساس بقيمة اللذة أو الألم الذي فيه أي الإحساس بقدر السعادة أو الشقاء التي في الشيء والواقعة على الإنسان أي الإحساس بأنه عظيم وكبير في نفعه أو ضرره أو بأنه ليس ذو قيمة أو أهمية.
ـ فكما أن الإنسان عنده حاسة يعرف بها وزن الأشياء فيقول هذا خفيف وهذا ثقيل وهذا ثقيل جدا، فكذلك عنده حاسة يستطيع بها تقييم الأشياء من حيث الأهمية والخطورة وما فيها من نفع أو ضرر، وبقدر ما فيه من ضرر يكون قدر ما فيه من ألم، وبقدر ما فيه من نفع يكون قدر ما فيه من لذة، وبالتالي يستطيع تقييم مدى ما فيه من ألم أو لذة، فيشعر بأن هذا مهم وهذا أهم وهذا غير مهم وهذا عظيم وهذا حقير وهكذا.
ـ والإحساس بالقيمة نوعين هما الإحساس بعظمة الشيء أو الإحساس بضآلة الشيء، فإذا كان الشيء عظيم النفع أو عظيم الضرر أي يصدر عنه لذة كبيرة أو ألم كبير فيشعر الإنسان بعظمته سواء في نفعه أو ضرره، وذلك مثل الإحساس بعظمة الله وعظمة الآخرة، وإذا كان الشيء لا نفع فيه ولا ضرر أي لا يصدر عنه لذة كبيرة أو ألم كبير فيشعر الإنسان بضآلته، وذلك مثل الإحساس بضآلة الدنيا.
(1) متفق عليه (مشكاة المصابيح ج:1، برقم 148، وهو أيضا في صحيح الجامع برقم 5860)
(2) قال الشيخ الألباني: صحيح (سنن النسائي ج: 3، ص: 188، برقم 1578)
(3) حديث صحيح (جامع الترمذي ج: 5، ص: 338، برقم 3185)
(4) حديث صحيح (صحيح الجامع برقم 5858) .
(5) البحر المحيط: (ج 6 / ص 68)