فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 166

منه شيئا أد ما أخذت فإذا هو قائم قال الله عز وجل ما حملك على ما صنعت قال خشيتك فغفر الله له )) [1] فهذا الرجل لا هو حقق المعرفة النظرية بقدرة الله على كل شيء ولا حقق الشعور بقدر ذلك ورغم ذلك كان من أهل الجنة ولبيان ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (( فَمِنْ شَرْطِ الإيمان وُجُودُ الْعِلْمِ التَّامِّ وَلِهَذَا كَانَ الصَّوَابُ أَنَّ الْجَهْلَ بِبَعْضِ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ لَا يَكُونُ صَاحِبُهُ كَافِرًا إذَا كَانَ مُقِرًّا بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَبْلُغْهُ مَا يُوجِبُ الْعِلْمَ بِمَا جَهِلَهُ عَلَى وَجْهٍ يَقْتَضِي كُفْرُهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْهُ كَحَدِيثِ الَّذِي أمر أَهْلَهُ بِتَحْرِيقِهِ ثُمَّ تَذْرِيَتِهِ؛ بَلْ الْعُلَمَاءُ بِاَللَّهِ يَتَفَاضَلُونَ فِي الْعِلْمِ بِهِ. وَلِهَذَا يُوصَفُ مَنْ لَمْ يَعْمَلْ بِعِلْمِهِ بِالْجَهْلِ وَعَدَمِ الْعِلْمِ. قَالَ تَعَالَى: {إنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ} ) ) [2] أي لكي يتحقق الشعور بأن الله هو القادر على كل شيء لابد من مرحلتين هما: المرحلة الأولى وهي أن يصل إلى علمه بأن الله قادر على كل شيء فيوقن نظريا بذلك (المعرفة النظرية) ، ثم المرحلة الثانية أن يشعر بذلك، فإذا لم تتحقق المرحلة الأولى بحيث لم يصل إلى علمه أن الله قادر على كل شيء وبالتالي فلا يوقن بذلك وبالتالي لا يشعر بذلك فهو عندئذ معذور بجهله لأنه لم يصل إلى علمه ذلك الأمر أصلا، أما إذا وصل إلى علمه أن الله قادر ولم يوقن يقينا حقيقيا فقد وقع في النفاق الأكبر، ولاحظ أن هذا الرجل المذكور في الحديث يوقن يقينا حقيقيا بأن الله قادر على العقاب وعلى خلق الكون وخلق الجنة والنار لذلك فهو يخافه.

ـ الفرق بين الميت والحي:

ـ لو أن تمثالا مصنوعا من الطين نُفِخت فيه الروح فأصبح بشرا يتحرك، ماذا يمكن أن يقول ويفعل؟، إن أو شيء يعمله هو أن يسأل نفسه من أنا؟، ومن أي شيء أتيت؟ ولماذا؟، وينظر إلى نفسه فيجد نفسه بعد أن كان طينا أصبح يتحرك فيسأل نفسه ما سر هذه الروح ومن أوجدها ولماذا؟، وينظر حوله فيجد أرض وجبال وسماء وأشياء فيسأل ما هذا؟ ومن الذي أوجده؟ ولماذا؟.

ـ هذه الأسئلة لابد أن يسألها أي إنسان تدب فيه الروح، وأي إنسان لم يسأل نفسه هذه الأسئلة هو إنسان ميت لم تدب فيه الروح بعد، فلا يزال تمثالا من الطين أو هو يتحرك لكن تعطلت وظائفه فصار كالميت، فهذا هو الفرق بين الميت والحي، وفي تفسير الطبري: (( ومن كان في هذه الدنيا أعمى عن قُدرة الله فيها وحججه، فهو في الآخرة أعمى ) ) [3] .

ـ جميع الناس يعرفون الإجابة على هذه الأسئلة معرفة نظرية وليست معرفة حقيقية، فيعرفون نظريا أنه لا يمكن أن تكون هذه الأشياء من تلقاء ذاتها كما أن البشر وباقي الكائنات ليس لديها القدرة على إيجاد كل هذه الأشياء، فلابد من وجود قوة خارجية هي التي أوجدت هذه الأشياء وهذه القوة هي الخالق.

ـ أما المعرفة الحقيقية للإجابة على هذا الأسئلة فهي الإحساس بخطورة خلق الأشياء، فإيجاد هذه الأشياء أمر خارق للأسباب معجز لا يستطيعه بشر ولا يخضع لقانون الأسباب وفوق مستوى فهم وقدرات البشر ويدل على قدرة هائلة جدا لمن أوجد هذه الأشياء وعلم كبير جدا لمن أوجد كل هذه الأشياء بمنتهى الدقة في كل شيء، فهذا الأمر أشد من السحر لأن السحر خيال أما هذا فحقيقة، وفوق مستوى الخيال.

ـ كل هذا يجعل الإنسان يشعر بالهيبة والانبهار والعجب والإعجاب والدهشة والغرابة والخشية والرهبة وخوف المهابة من الأمر، فيقع في الإنسان شعور بالانهزام والاستسلام لأن عقله يعجز عن أن يفسر هذه الأمور الخارقة للأسباب ويشعر بالخضوع والخوف من مهابة هذا الخالق العظيم القدرة الذي استطاع أن يوجد كل هذا الكون العظيم جدا في علمه الذي استطاع أن يدير كل هذا الكون ويدبر كل حركة وسكنة بمقدار محدد في منتهى الدقة بحيث لو زاد قليلا أو قل لتعطل وحدث خلل وفساد كبير، والحب لهذا الخالق الذي أوجد لك هذه الروح فأصبحت لك حركة كما تريدها أنت وأوجد لك هذه اليد والعين وكل هذه النعم.

ـ فإذا تحققت هذه المشاعر في الإنسان فهو عندئذ قد عرف معرفة حقيقية بوجود الخالق، وإذا لم تتحقق هذه المشاعر فهو إنسان ميت؟.

ـ فيظل الإنسان يتغافل عن هذه الأسئلة ويتلهى عنها بأمور الدنيا حتى يموت، لأنه لا يشعر لهذه الأسئلة بقيمة ويعتبرها فلسفة ومضيعة للوقت فلا يشعر بقيمة للخالق في مشاعره.

(1) قال الشيخ الألباني: حسن صحيح (سنن النسائي ج: 4، ص: 112، برقم 2079)

(2) مجموع الفتاوى - (ج 7 / ص 538)

(3) تفسير الطبري - (ج 17 / ص 504)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت