فهرس الكتاب

الصفحة 75 من 166

ـ إذن قد يكون الإنسان على اقتناع نظري تام وإيمان كامل بأن الله هو النافع الضار الشافي الرازق الوكيل الكفيل وأن كل شيء بيد الله وأنه متوكل على الله تماما، لكن حقيقة مشاعره تقول أن كل شيء بالأسباب، وأن كل شيء يمكن صناعته بالعمل، وكل شيء يمكن شراءه بالمال، وأنه يحصل على المال من كده وتعبه، وأن الأسباب هي التي تفعل كل شيء، فشعوره بالخضوع يكون للأسباب وشعوره بالخوف متعلق بالأسباب وشعوره بالحب للأسباب، لذلك فهو يعيش في عالم الأسباب كل شيء عنده بالحساب وبالتخطيط وبالإستقراء وبالمعادلات الرياضية، فهو رجل مادي لا مشاعر له، ويرى أن المشاعر نفسها يمكن صناعتها بالأسباب.

ـ بل إنه لا يشعر بأنه يمكن أن يكون هناك شيء خارق للأسباب، فيرى أن الأسباب هي التي أوجدت كل شيء، فمثل هذا الإنسان هو في حقيقته لا يؤمن إيمانا حقيقيا بوجود الله لأن وجود الله يعني الإحساس بوجود قوة خارجية خارقة للأسباب.

ـ والذي يعبد الأسباب لا يشعر بالثواب والعقاب الأخروي وإنما يشعر بالنتائج التي هي في الدنيا والتي هي ثمرة العمل والأسباب، فهو يشعر فقط بما هو محسوس وبالأسباب والنتائج، فهو يقوم بالعمل على أساس المكسب والخسارة الدنيوية، فالآخرة موجودة عنده فقط في الاقتناع والمعرفة النظرية فقط وليس للآخرة وجود في مشاعره وهمومه وتفكيره وأمانيه وحساباته، فهو علماني في مشاعره وهمومه وتفكيره وأمانيه، وفي قصة قارون خير دليل على ما نقول حيث قال: (( قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ) ) [1] .

ـ اليقين التام بأنه لا توجد أي علاقة بين الأخذ بالأسباب وبين الرزق، وما يبدو ظاهريا من علاقة هو للامتحان:

ـ الأخذ بالأسباب طاعة من الطاعات شأنها شأن الصلاة والصوم والصدقة وغيرها مما أمر الله به، وعدم القيام بهذه الطاعة معناه معصية يأثم عليها الإنسان، لكن لا توجد أي علاقة أبدا بين الأخذ بالأسباب وبين الرزق، فمهما قصر الإنسان في الأخذ بالأسباب فسيأتيه رزقه لا يزيد ولا ينقص، ولو ترك الإنسان الأخذ بالأسباب فسيأتيه رزقه لا يزيد ولا ينقص، ولو هرب الإنسان من الرزق فسوف يأتيه رغم أنفه ففي الحديث: (( لو أن ابن آدم هرب من رزقه كما يهرب من الموت لأدركه رزقه كما يدركه الموت ) ) [2] ، وفي حديث آخر: (( إن الرزق ليطلب العبد أكثر مما يطلبه أجله ) ) [3] .

ـ ومن الفتن التي يبتلى الله بها الناس ليبتليهم هو أنه قد يجعل ترك الأخذ بالأسباب مصاحبا لعدم وجود المال ـ وقد لا يكون مصاحبا لذلك ـ فيظن البعض أن عدم الأخذ بالأسباب هو سبب المنع، لذلك لا يجب الربط بين الأخذ بالأسباب وبين الرزق وذلك من باب (كذب المنجمون ولو صدقوا) فإذا ذهب الناس إلى العرافين ووجدوا أن ما يقولونه يحدث في معظم الأحيان فلا يجب أن يصدقوهم رغم ذلك، كما أن مفهوم الرزق أوسع من مفهوم المال فحسب، فالمال نعمة من بين النعم وهناك نعم أخرى كثيرة كنعمة الماء والهواء والعين والأنف وغير ذلك، وهناك نعمة السعادة النفسية التي يقذفها الله في قلوب المؤمنين، وغير ذلك، ولو افترضنا أن إنسان امتنع عن الأخذ بالأسباب حتى مات من الجوع، فليس سبب موته وسبب جوعه أنه لم يأخذ بالأسباب، ولكن سبب موته أن رزقه المكتوب له قد انتهى، وسبب جوعه أنه ليس من رزقه طعام، وهو رغم ذلك مقصر مذنب يأثم شرعا بتركه الأخذ بالأسباب.

ـ فإذا كان تعلق القلب بالأسباب أكبر من تعلقه بالله مسبب الأسباب فهذا وقوع في النفاق الأكبر، وإذا كان تعلق القلب بالأسباب أقل من تعلقه بالله مسبب الأسباب فهذا نقص في الإيمان.

ـ قد يكون الإنسان على اقتناع تام بأنه متوكل على الله وأن كل شيء بأمر الله، لكن في حقيقة الأمر يعتمد على عقله ويعتمد على الأسباب حيث تتعلق مشاعره وهمومه وتفكيره وأمانيه بالأسباب أكبر من تعلقها بالله فإن مشاعره تقول: الأسباب هي التي تنفع وتضر، والأسباب هي التي ترزق، فبغير الأسباب ينقطع الرزق، وما مع الإنسان من مال هو من كد يده فحصل عليه من سعيه، والعقل والتخطيط هو الذي يقي الإنسان من المشاكل، وفلان هو الواسطة الذي جلب لي الوظيفة المعينة، والأسباب هي التي تصنع كل شيء، فمثل هذا يعبد الأسباب، وإن كان على اقتناع تام بأنه متوكل على الله تعالى؟!!.

ـ فرجاؤه في الأسباب أكبر من رجاؤه في الله، وخوفه من الأسباب أكبر من خوفه من الله، وخضوعه لقانون الأسباب أكبر من خضوعه لله، فلا يشعر أن الأسباب مخلوقة ولا تملك نفعا ولا ضرا.

ـ فكل حزنه وفرحه وهمه وأمله في الأسباب، فتأثر مشاعره يعتمد ويتوقف على الأسباب لا على الله.

ـ التوكل على الله والتوكل على الأسباب:

(1) القصص: من الآية 78

(2) تحقيق الألباني (حسن) [صحيح الجامع برقم 5240)

(3) صحيح الجامع (1630)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت