ـ ويتم ذلك من خلال الإحساس بقدر إعجاز القرآن والسنة، ومن هنا يظهر أهمية معرفة ألوان الإعجاز في القرآن كالإعجاز العلمي والبلاغي وغيره ولكن ليس كمعرفة نظرية ولكن كمعرفة حقيقية ينشأ عنها تفاعل المشاعر والتحير والتعجب لخطورة هذا الإعجاز.
ـ الإحساس بعظمة وقدر المتكلم (الله سبحانه وتعالي) :
ـ عندما تقرأ القرآن لابد أن تشعر بقدر مَنْ هو قائل آيات القرآن الذي يخاطبك ويخاطب الناس، وتشعر بعظمة القرآن من شعورك بعظمة الله، وتشعر بأن الله يكلمك أنت، وأن هذا الخطاب موجه إليك من فوق سبع سماوات، وإلا فمَنْ الذي يكلمك، فلابد أن تشعر بالمتكلم (الله سبحانه) وتشعر بالمخاطب وهو أنت أو الناس، وإلا فأنت لا تشعر بمَنْ قائل هذا الكلام ولمَنْ يقوله، فيكون هذا صلة مادية محسوسة تزيد من شعورك بوجود الله وصفاته.
ـ من المشاعر الناشئة عن الإحساس بقدر القرآن:
1 ـ الشعور بخوف المهابة والرهبة والوجل والتعظيم لأن عظمته من عظمة الله: (( يقول ابن الجوزي:(والله لو أن مؤمنًا عاقلًا قرأ سورة الحديد وآخر سورة الحشر وآية الكرسي وسورة الإخلاص بتفكر وتدبر لتصدّع قلبه من خشية الله وتحيّر من عظمة الله ربّه ) )) [1] .
2 ـ حب القرآن: الشعور بحب القرآن لأنه عظيم القدر من عظمة الله سبحانه، ولأن القرآن هو كلام وصل إليك من حبيبك فأنت تحبه، ولأنه يدلك على طريق الهداية، فلو أن إنسان دلك علي طريق مضمونة تكسب بها مليون جنيه!، بماذا كنت تشعر حينئذ؟، إنك كنت ستحبه حبا جما ويكون عندك ذو قدر عظيم، فما بالك والقرآن قد دلك علي طريق السعادة الأبدية في جنات النعيم ودلك علي طريق النجاة من نار الجحيم، (( وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) ) [2] ، فالقرآن مليء بضرب الأمثال والإيضاحات لتحقيق مراد الله من الناس، وذلك رحمة من الله بالناس، بل إن الله قد أخبر الناس بما سيحدث في الآخرة، وأوضح لهم كل العقبات التي يمكن تعوق تحقيقهم لمراد الله حتى العقبات التي في داخل أنفسهم، فأقام عليهم الحجة دامغة.
ـ اليقين بالرسل نقصد به الجانب الغيبي أي اليقين بنزول الوحي عليهم، واليقين الحقيقي بالرسل هو الشعور بمسألة نزول الوحي على الرسل.
ـ إن الإجابة على سؤال القبر: من نبيك؟ ليس مجرد أنه محمد (ص) ولكن السؤال معناه من الذي تقتدي به وتحبه وتعجب به وتجعله مثلك الأعلى ونموذج تسير على منهاجه وتتشبه بخلقه هل هو لاعب كرة أو ممثل أو مغني أو عالم أو إمرأة تحبها أو هو محمد (ص) ؟، فعلى هذا تكون الإجابة فمن الناس من يجيب أن نبيه مايكل جاكسون!، وكذلك السؤال: من ربك وما دينك؟، فمن الناس من يجيب أن ربه المال ودينه السعي للمال والعيش له أو الشهوات ... الخ.
ـ من قال أنا لا أحب النبي فقد خرج من الملة، ومن قال أنا أحب النبي (ص) وهو لا يحبه فقد وقع في النفاق الأكبر حيث لم يتحقق في داخله شعور بحب النبي (ص) : (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ ) ) [3] ، (( فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ) ) [4] ، (( وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ ) ) [5] ، فمحبة بعض الناس للرسول (ص) هي محبة صورية وليست محبة حقيقية.
ـ جاء في تفسير ابن كثير: (( قل هو نبأ عظيم أي خبر عظيم وشأن بليغ وهو إرسال الله تعالى إياي إليكم انتم عنه معرضون أي غافلون قال مجاهد وشريح القاضي والسدي في قوله عز وجل قل هو نبأ عظيم يعني القرآن ) ) [6] ، فإرسال الرسل أمر عظيم وخطير لكننا لا ننتبه إلى خطورته.
ـ الإحساس بمعني (رسول الله) :
ـ الرسول هو الذي ينقل رسالة من شخص إلى شخص، ورسول الله أي الذي ينقل رسالة من الله إلى الناس، وهذا يعني أن يشعر الإنسان بوصول رسالة من عالم الغيب إلى أحد البشر ليكون بذلك رسولا إلى الناس، فإذا لم يشعر الإنسان بتلك الصلة
(1) سلسلة أعمال القلوب للشيخ محمد المنجد: (ج 1 / ص 71)
(2) الشورى: من الآية 52
(3) الصف: 2
(4) العنكبوت: من الآية 3
(5) العنكبوت: 11
(6) المرجع السابق (ج: 4 ص: 43)