فهرس الكتاب

الصفحة 131 من 166

ـ وطالما أن الله موجودا دائما ولن يغيب سبحانه فيظل الشعور بحبه والخوف من مهابته مستمرا حتى في الجنة، ويظل المؤمنون في الجنة يشعرون بأن حب الله أكبر من حب كل شهوات الجنة رغم عظمتها لأن الله أعظم كما أن لذة النظر إلى وجه الله تعالى أمتع من كل متع الجنة، والشعور بخوف المهابة والحب موجود أيضا عند الملائكة وعند الجمادات لأن كل شيء يسبح بحمده سبحانه.

ـ لذلك فالله يأمرنا بالإستمرارية والثبات على الإيمان، ففي تفسير القرطبي: (( قوله تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) الآية نزلت في جميع المؤمنين، والمعنى: يا أيها الذين صدقوا أقيموا على تصديقكم وأثبتوا عليه )) [1] .

ـ يمكن تشبيه القلب قلب الإنسان بالكوب، والكوب فيه ماء وهواء، كلما زاد الماء في الكوب نقص ما به من هواء، وكلما نقص ما به من ماء زاد ما فيه من هواء.

ـ والماء في الكوب هو ارتباط المشاعر بالله والآخرة، والهواء في الكوب هو ارتباط المشاعر بالدنيا.

ـ والمشاعر هي خوف المهابة والحب وخوف العقاب ورجاء الثواب والخضوع.

ـ فالإنسان لابد له أن يحب، فإذا لم يحب الله أحب الشهوات، وكلما زاد حبه للشهوات نقص حبه لله، والعكس صحيح، وكذلك باقي المشاعر، فالإنسان إما أن يعبد الله وإما أن يعبد الهوى ولا يوجد شيء ثالث: (( فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) ) [2] .

ـ ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (( إنَّمَا الْكَلَامُ فِي مَحَبَّةٍ تَتَعَلَّقُ بِالنُّفُوسِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى فَهَذَا لَا شَكَّ أَنَّهُ نَقْصٌ فِي تَوْحِيدِ الْمَحَبَّةِ لِلَّهِ وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى نَقْصِ مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعَالَى إذْ لَوْ كَمُلَتْ مَحَبَّتُهُ لَمْ يُحِبَّ سِوَاهُ. وَلَا يَرُدُّ عَلَيْنَا الْبَابُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ ذَلِكَ دَاخِلٌ فِي مَحَبَّتِهِ. وَهَذَا مِيزَانٌ لَمْ يَجْرِ عَلَيْكَ: كُلَّمَا قَوِيَتْ مَحَبَّةُ الْعَبْدِ لِمَوْلَاهُ صَغُرَتْ عِنْدَهُ الْمَحْبُوبَاتُ وَقَلَّتْ، وَكُلَّمَا ضَعُفَتْ كَثُرَتْ مَحْبُوبَاتُهُ وَانْتَشَرَتْ. وَكَذَا الْخَوْفُ وَالرَّجَاءُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَإِنْ كَمُلَ خَوْفُ الْعَبْدِ مِنْ رَبِّهِ لَمْ يَخَفْ شيئا سِوَاهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إلَّا اللَّهَ} وَإِذَا نَقَصَ خَوْفُهُ خَافَ مِنْ الْمَخْلُوقِ وَعَلَى قَدْرِ نَقْصِ الْخَوْفِ وَزِيَادَتِهِ يَكُونُ الْخَوْفُ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْمَحَبَّةِ وَكَذَا الرَّجَاءُ وَغَيْرُهُ. فَهَذَا هُوَ الشِّرْكُ الْخَفِيُّ الَّذِي لَا يَكَادُ أَحَدٌ أَنْ يَسْلَمَ مِنْهُ إلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الشِّرْكَ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ ) ) [3]

ـ فيكون هناك أربعة حالات كالتالي:

1 ـ الحالة الأولى (كمال الإيمان) :

ـ وهي أن يكون الكوب ممتلئا عن آخره بالماء، ففي هذه الحالة يكون القلب ممتلأ عن آخره بحب الله والخوف منه ورجاءه والخضوع له، وبذلك قد وصل العبد إلى كمال الإيمان، والمؤمن مطالب بأن يكون على هذه الحالة فيكون قلبه ممتلئا بحب الله والخوف منه والخضوع له ورجاءه.

2 ـ الحالة الثانية (ضعف الإيمان) :

ـ وهي أن يكون الماء أعلى من نصف الكوب، فيكون القلب فيه قدر من الماء وقدر من الهواء، ولكن قدر الماء أكبر، أي أن القلب فيه حب لله وحب للدنيا ولكن حب الله أكبر من حب الدنيا، وكذلك باقي المشاعر، وبذلك يكون الإيمان موجودا ولكن ضعيفا وليس كاملا.

3 ـ الحالة الثالثة (عبادة للهوى) :

ـ وهي أن يكون الماء في منتصف الكوب أو أقل منه، فيكون عنده قدر من حب الله وقدر من حب الدنيا، وحب الدنيا أكبر من حب الله أو مساوي له، وكذلك باقي المشاعر، وإذا حدثت هذه الحالة عند مسلم فقد وقع في النفاق الأكبر.

4 ـ الحالة الرابعة (عبادة للهوى) :

ـ وهي أن يكون الكوب فارغا تماما من الماء، ويكون قلبه ممتلئا بحب الدنيا، وليس في قلبه ذرة من حب الله، وإذا حدثت هذه الحالة عند مسلم فقد وقع في النفاق الأكبر.

(1) تفسير القرطبي - (ج 5 / ص 415)

(2) القصص: 50

(3) مجموع الفتاوى (تحقيق أنور الباز ـ المعدلة) - (1/ 94)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت