فهرس الكتاب

الصفحة 135 من 166

للمال أكبر من حبه لله، وخوفه على ضياع المال أكبر من خوفه من الله، ورجاؤه في الحصول على المال أكبر من رجاؤه في الله، وخضوعه للمال أكبر من خضوعه لله، وتوكله واعتماده على المال أكبر من توكله واعتماده على الله، أي حقيقة أمره أنه يعيش من أجل المال وليس يعيش من أجل الله، أي عيشه من أجل المال أكبر من عيشه من أجل الله، وهمومه بالمال أكبر من همومه بالله، أي انشغال باله وذكر قلبه للمال أكبر من انشغال باله بعظمة الله وذكر قلبه لله، فالإنسان قد يقول بشعوره ومشاعره: (المال أكبر) فهو بذلك يقع في عبادة المال، وإذا قال بشعوره ومشاعره: (الله أكبر) فهو يعبد الله تعالى، أما القول باللسان والاقتناع النظري بأن الله أكبر فهذا لا يكفي، فقد يسير قول اللسان والمعرفة النظرية في اتجاه، ويسير شعور الإنسان ومشاعره في اتجاه معاكس تماما.

ـ وكذلك إذا لم تكن المشاعر المتعلقة بالله والآخرة موجودة أصلا، فيكون القلب ممتلئ بالمشاعر المتعلقة بالمال، فهذا عبادة للمال.

ـ الطبع على القلب وعبادة الهوى كلاهما وجهان لعملة واحدة:

ـ غياب الإحساس بقدر الله والآخرة يؤدي إلى عبادة الدنيا: (( إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ ) ) [1] ... ، ولاحظ في الآيات التالية الارتباط بين الطبع على القلب وعبادة الهوى: (( أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ) ) [2] ، (( أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا(43) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا )) [3] ، (( وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ ) ) [4] ، (( وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ) ) [5] .

ـ مفهوم عبادة الهوى:

ـ أي شيء غير الله سواء كان ماديا أو معنويا سواء كان حلالا أم حراما تتعلق مشاعرك أكبر من تعلقها بالله فأنت تعبد ذلك الشيء وذلك عبادة للهوى وذلك الشيء هو صنم يعبد من دون الله تعالى.

ـ فهناك مفهوم مغلوط عن الأصنام، فالأصنام ليست فقط تلك المصنوعة من الحجارة فقط، فالدنيا صنم كبير يعبده الكثير من الناس!.

ـ هناك أمور كثيرة ضرورية للحياة والله أمرنا بها وثوابها كبير، وذلك مثل الطعام والشراب، والعمل لكسب المال من حلال، وقضاء الشهوة بالحلال مع الزوجة، ورعاية الأبناء بالإنفاق عليهم، وتدبير مسكن مريح أو سيارة، وغير ذلك من مشاغل الحياة وهمومها اليومية، ولكن كل ذلك قد يتحول إلى عبادة للهوى إذا كان أكبر مشاعرك فأنت بذلك تعبد ذلك الشيء وذلك عبادة للهوى.

ـ إذا قارن الإنسان بين ألم الدنيا وألم الآخرة، وكان خوفه من ألم الدنيا أكبر من خوفه من ألم الآخرة فهذا معناه أن الدنيا عنده أكبر وأعظم من الآخرة، فهو بذلك يؤثر الدنيا على الآخرة، وكذلك إذا كانت لذة الحب والشوق لأي شيء في الدنيا أكبر من لذة الحب والشوق لله فهذا معناه أن ذلك الشيء عنده أكبر وأعظم من الله وذلك ينشا من غياب الإحساس بقدر الله والآخرة، وكذلك إذا كانت أهداف الإنسان واهتماماته وطموحاته المتعلقة بالدنيا أكبر من أهدافه واهتماماته وطموحاته المتعلقة بالآخرة فذلك ينشأ من غياب الإحساس بقدر الله والآخرة.

ـ أكبر وأخطر الأصنام التي يعبدها الناس اليوم هي عبادة المال والتي تعني تعلق المشاعر بالمال أكبر من تعلقها بالله والآخرة، وقد تكون المشاعر المتعلقة بالله غير موجودة أصلا وكل المشاعر متعلقة بالمال، فيكون كل حبه وخوفه ورجاءه وهدفه وهمه في المال وكيفية الحصول عليه.

ـ إن كلمة (المال) عند من لم يشعر بضآلته وفناءه أمام قيمة الآخرة تختلف عن كلمة (المال) عند من يشعر بذلك، فالأول ينظر إلي المال أنه ذو قيمة عظيمة وينظر إلى صاحب المال نظرة تعظيم وانبهار أما الثاني فينظر إليه أنه مجرد عارية تسترد بعد قليل حين الموت.

ـ بعض الناس يظل يصور لنفسه أن شهوة النساء فيها متعة كبيرة وعظيمة، وقد يصور لنفسه أنه بالفعل يحقق هذه المتعة العظيمة، أو يظل ينشد الوصول لهذه المتعة العظيمة، وينظر إلى شهوة النساء على أنها السعادة الني ينشدها الجميع ويعيشون لها، ويظل يتغنى بها في حله وترحاله، وذلك كله رغم يقينه النظري بأنها متعة صغيرة وقتية سواء في حد ذاتها حيث للإنسان قدرة محدودة لهذه الشهوة أو إذا قارنها بمتعة الحور العين في الجنة، لكنه يتجاهل ذلك كله ويتغافل عنه ويخدع نفسه ويصور لنفسه أن متعة النساء هي الشيء العظيم ومنتهى الأمل وأن قدرته في التمتع بهذه الشهوة لا حد لها.

ـ فإذا كان حبه ومشاعره المتعلقة بهذه الشهوة أكبر من حبه ومشاعره المتعلقة بالله فقد وقع في عبادة شهوة النساء.

ـ جاء في تفسير القرطبي: (("الذين في قلوبهم مرض"يعني الذين في قلوبهم الزنا ... وقال سلمة بن كهيل: نزلت في أصحاب الفواحش، والمعنى متقارب ) ) [6] ، وفي الحديث: (( ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء ) ) [7] .

ـ هناك فرق بين الوقوع في الذنب وبين حب الذنب، فكلاهما حرام، ولكن الخطر الأكبر هو حب الذنب، فربما يقع الإنسان في الزنا لكنه يكون من المتقين ويتوب إلى الله حيث يكون حبه لله أكبر من حبه لهذا الذنب، وإنسان آخر لا يزني لكنه فقط يحب النظر إلى عورات النساء مثلا حيث يكون مولعا بحب هذا الذنب فيكون حبه لهذا الذنب أكبر من حبه لله أو مع عدم وجود حب له أصلا، فعندئذ هو قد وقع في عبادة الهوى والنفاق الأكبر، إذن مهما وقع الإنسان في الذنب فذلك لا يدل على أن حبه لذلك الذنب أكبر من حبه لله، ولكن إذا كان حبه للذنب أكبر من حبه لله ولو لم يفعل الذنب أصلا كأن لا ينظر إلى العورات ولا يزني مثلا ولكن يتمنى ذلك ويحبه أكبر مما يحب الله سبحانه فعندئذ قد وقع في عبادة الهوى والنفاق الأكبر.

ـ لذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (( فَإِنَّ الزِّنَا مِنْ الْكَبَائِرِ وَأَمَّا النَّظَرُ وَالْمُبَاشَرَةُ فَاللَّمَمُ مِنْهَا مَغْفُورٌ بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ فَإِنْ أَصَرَّ عَلَى النَّظَرِ أَوْ عَلَى الْمُبَاشَرَةِ صَارَ كَبِيرَةً وَقَدْ يَكُونُ الْإِصْرَارُ عَلَى ذَلِكَ أَعْظَمَ مِنْ قَلِيلِ الْفَوَاحِشِ فَإِنَّ دَوَامَ النَّظَرِ بِالشَّهْوَةِ وَمَا يَتَّصِلُ بِهِ مِنْ الْعِشْقِ وَالْمُعَاشَرَةِ وَالْمُبَاشَرَةِ قَدْ يَكُونُ أَعْظَمَ بِكَثِيرِ مِنْ فَسَادِ زِنَا لَا إصْرَارَ عَلَيْهِ ) ) [8] .

ـ الإنسان فطر على حب الزوجة والأبناء ووالديه وذلك حلال وليس بذنب، وكذلك إذا أحب كسب المال من الحلال وأحب الطعام والشراب وغير ذلك، فكل ذلك حلال وليس بذنب، لكن إذا كان حبه لأي شيء سواء كان حلالا أم حراما أكبر من حبه لله فذلك عبادة للهوى ونفاق أكبر.

ـ قد يقول الإنسان بمشاعره: (أنا ربكم الأعلى) رغم أنه بلسانه وباقتناعه النظري يقول لا إله إلا الله، وذلك عندما يشعر أنه الأعلى ـ أو يريد أن يكون الأعلى ـ فوق كل الناس في كل شيء وهم جميعا أذلاء تحت قدميه، فقلبه مليء بالحقد على الناس وكراهية الخير لهم والحسد على ما عندهم، فهو يريد التعاسة والشقاء والفقر والبلاء للناس، ويريد لنفسه كل الرفعة والعظمة والمكانة والغنى، وهو يتجاهل أن هناك إله فوقه، لذلك يرى أنه وحده الأعلى المتكبر على الناس الغني العظيم في مكانته ويريد أن يصل ليكون لنفسه كل صفات العظمة والقوة ولغيره كل صفات الضعف والفقر والذل حتى ولو لم يصل إلى ذلك فهو يشعر بذلك في نفسه أو يريده، فهو يقول بمشاعره: (( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ) ) [9] ، فهم يعتبرون أن غيرهم من الناس هم طبقة الرعاع السفلة المنحطين.

ـ هنا يأخذ الإنسان دور الإله بدلا من أن يكون عابدا، فهو يصنع من نفسه إلاها، حيث يغفل الإنسان عن حقيقة نفسه فلا يتنبه إلى ضآلته، ويزين الشيطان للإنسان أنه ذو قدر عظيم وكبير، فتكون نظرة الإنسان لنفسه أنه ذو شأن هام عظيم القدر وأن له إمكانيات وقدرات وسيطرة وعلم كبير، فيغتر بما عنده من عقل ذو قدرات هائلة، وأنه هو الذي صنع التقدم العلمي الهائل والتكنولوجيا المبهرة، وأنه يستطيع أن يصنع الأعاجيب، وأن ما عنده من مال أو صحة أو ممتلكات أو صحة جسدية أو جمال أو نعم فهي من صنع يده ونتيجة لكده وعلمه وخبرته، وأنه حر وله الحقوق والسيطرة وقدرات كبيرة، وأنه ليس بضعيف أو ناقص أو يحتاج لغيره فهو يعتمد على نفسه ولا يذل لأحد وليس لأحد عليه سلطان أو مذلة أو حق، ولا يدري أنه بذلك يتعالى على الله ويستكبر أن يخضع له: (( إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ ) ) [10] ، فإنه ينسي أو يتجاهل قدر عظمة الله، وينسي أو يتجاهل قدر ضآلة نفسه ومدى ضعفه: (( أَوَلَمْ يَرَ الْإنسان أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ) ) [11] ، (( هَلْ أَتَى عَلَى الْإنسان حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شيئا مَذْكُورًا ) ) [12] ، فيشعر الإنسان بأنه ذو قدر عظيم وتتوجه مشاعره تجاه نفسه فيعبد ذاته، فيعتز بنفسه ويرى العزة لنفسه وليست لله: (( فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ) ) [13] ، فهو يعبد نفسه

(1) النمل: 4

(2) الجاثية: 23

(3) الفرقان: 43، 44

(4) محمد: 16

(5) الكهف: من الآية 28

(6) تفسير القرطبي - (ج 14 / ص 245)

(7) السلسلة الصحيحة (2701)

(8) مجموع الفتاوى (الباز المعدلة) - (15/ 293)

(9) آل عمران: من الآية 75

(10) الصافات: 35

(11) يّس: 77

(12) الإنسان: 1

(13) فاطر: من الآية 10

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت