يَعْلَمُونَ )) [1] ، ورغم أن المعرفة النظرية بضآلة متع الدنيا موجود والمعرفة النظرية بآيات القرآن التي تبين ذلك موجود إلا أن مشاعر الإنسان قد تكذب آيات القرآن وتقول عكس ذلك تماما.
ـ الإحساس بقدر ضآلة شهوات الدنيا بمقارنة شهوات الجنة والإحساس بقدر ضآلة آلام الدنيا بمقارنة آلام النار وأهوال القيامة:
ـ سبق أن أوضحنا ذلك في الفصل الثالث، فذلك أكبر دليل على أن كل متع الدنيا ليس لها أي قيمة على الإطلاق أو أي متعة بالمقارنة بالآخرة سواء بالمقارنة بمتع الجنة أو بالمقارنة بالعقاب على الشهوات في النار وذلك لمن عنده أدنى عقل، أما المغرور بمتع الدنيا فذلك يدل على عدم وجود اليقين الحقيقي بالآخرة عنده، وكذلك الحال مع آلام الدنيا، فكل آلام الدنيا ومشاكلها وهمومها ليست بشيء مطلقا وذلك لمن عنده أدنى عقل، أما من كان ألمه وحزنه وخوفه وغضبه على أمور الدنيا في حين لا يتألم لأمور الآخرة فذلك يدل على عدم وجود اليقين الحقيقي بالآخرة عنده.
ـ فما الحياة الدنيا إلا لحظات يقضيها الإنسان في دار الغربة كعابر سبيل يستعد للرحيل.
ـ الإحساس بضآلة الدنيا وضعف الإنسان أمام عظمة الخالق سبحانه:
ـ قدرة الإنسان وعلمه ليس بشيء أمام قدرة الله وعلمه، وقدرة الإنسان وعلمه عاجز عن مجرد معرفة مدى اتساع وعظمة الكون، وكل الكون ليس بشيء أمام قدرة الله، فما بالك بقدرة الإنسان أمام قدرة الله تعالى.
ـ جاء في الحديث: (( جاء حبر من اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد إن الله يمسك السماوات يوم القيامة على أصبع، والأرضين على أصبع، والجبال والشجر على أصبع، والماء والثرى على أصبع، وسائر الخلق على أصبع، ثم يهزهن فيقول أنا الملك أنا الله، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجبا مما قال الحبر تصديقا له، ثم قرأ(وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون ) )) [2] .
ـ تحدث الرسول (ص) عن عظمة الله فكان من شدة تأثره أنه كان يتمايل فيتحرك المنبر حتى كاد يسقط ففي الحديث عن عبد الله بن عمر قال: (( سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر يقول يأخذ الجبار سماواته وأرضيه بيده وقبض يده فجعل يقبضها ويبسطها ثم يقول أنا الجبار أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون قال ويتمايل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يمينه وعن شماله حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه حتى إني لأقول أساقط هو برسول الله صلى الله عليه وسلم ) ) [3] .
ـ وفي حديث آخر: (( يطوي الله السموات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون ثم يطوي الأرضين ثم يأخذهن بشماله ثم يقول أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون ) ) [4] .
ـ وفي حديث آخر: (( يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السموات بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض ) ) [5] .
ـ وفي حديث آخر: (( ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة بأرض فلاة وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة ) ) [6] .
ـ والفصل الثاني هو بيان لضعف الإنسان أمام عظمة الله سبحانه.
ـ شهوات الدنيا لها مرحلتان هما:
ـ أولا: مرحلة ما قبل الوصول إلى شهوات الدنيا (مرحلة التزيين ـ مرحلة الإغراء ـ مرحلة الأماني) ـ شهوة الإغراء والأماني:
ـ يحدث هنا تزيين حيث يكون هناك تصور وهمي لمدى عظمة هذه الشهوات، وإذا كان قد حقق هذه الشهوات من قبل فإنه يتناسى ذلك، لأن الإنسان يشعر بحقيقة ضآلة الشهوات بعد تحقيقها ثم يتناسى ذلك.
(1) العنكبوت: 64
(2) التخريج: متفق عليه (مشكاة المصابيح ج: 3، برقم: 5524)
(3) قال الشيخ الألباني: صحيح (سنن ابن ماجه ج: 2، ص: 1429، برقم 4275)
(4) تحقيق الألباني: (صحيح) انظر حديث رقم: 8101 في صحيح الجامع.
(5) تحقيق الألباني: (صحيح) انظر حديث رقم: 8125 في صحيح الجامع.
(6) التخريج: صحيح (السلسلة الصحيحة ج: 1، ص: 223، برقم: 109)