فهرس الكتاب

الصفحة 147 من 166

ـ وهذه المرحلة فيها متعة وهمية معنوية وليست حسية هي متعة الإغراء ومتعة الإيحاء وهي المتعة التي تسبق الوقوع في شهوات الدنيا، وهي متعة تجعل الشيء يبدو كأنه كبير في متعته، وهي تحدث في فترة ما قبل الشهوة حيث يكون الإنسان تحت تأثير الشهوة وليس عقله ثم يفيق لحقيقة هذه الشهوة في فترة ما بعد الشهوة.

ـ شهوات الدنيا كشهوة النساء أو شهوة الطعام والشراب أو شهوة المظاهر ... الخ لها إغراء وتزيين يوحي بأنها متعة هائلة ويوحي بأن الإنسان يمكن أن يستزيد منها بصورة هائلة في حين حقيقة المتعة الفعلية المتحصلة منها قليلة ولا يمكن تكبيرها أو الإستزادة منها، لذلك فالقضية في الأصل ليست في الوقوع في ذات الشهوة ولكن في الإغراء والتزيين بحيث تبدوا في النفس أنها ذات قدر كبير وهائل وأن الإنسان إذا حصل عليها فقد حصل على المتعة الهائلة، هذا التزيين هو تكبير حجم قيمة المتعة الحقيقية أضعاف هائلة، ويقوم بهذا التزيين الشيطان والأغاني والأفلام التي تعظم من حجم الشهوات وغير ذلك، وحيلة التزيين هي التي عملها إبليس مع آدم: (( فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى ) ) [1] رغم أنها شجرة عادية مثل باقي الأشجار، كما تلاحظ أن طاقة الإنسان على متعة الطعام أو الجماع محدودة ولكن الشيطان يزين له أنه يستطيع أن يحصل على أضعاف مضاعفة من المتعة، ومهما استزاد الإنسان من حجم الإغراء بالمتعة فهذا لن يزيد من حقيقة المتعة شيء، لذلك قد يكون الإغراء بالشهوة والنظر إلى العورات أشد خطرا من الوقع في الزنا، لذلك فالشرع لا ينهى فقط عن الزنا ولكن ينهى أيضا عن مقدمات الزنا حتى ولو لم يقع الإنسان في الزنا: (( وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى ) ) [2] .

ـ فشهوات الدنيا ضئيلة ولكنها تبدو كبيرة في ظاهرها، وفي ذلك خداع كبير لمن ليست له بصيرة، كما أن الشيطان يزينها في عين الإنسان كما يفعل الساحر حيث يسحر أعين الناس فتبدو الأمور على غير حقيقتها، إذن التزيين هو تكبير وهمي لحجم الدنيا وقدر الإنسان، أي هو رؤية الأشياء بحجم أكبر من قدرها الحقيقي فيخدع الإنسان نفسه، فالإنسان إذا لم ينتبه إلى حقيقة الدنيا فيكتشف حقارتها، فإنه ينخدع بمظهرها البراق وزينتها الجميلة، كما أن الشيطان يزين له الدنيا فتكون نظرته إلى الدنيا كبيرة، وتكون قيمة المال والشهوات في نظره عظيمة، فيرى حجم السعادة المتحصلة من ذلك كبيرة، فالشيطان يزين للإنسان أن قيمة الشهوات من طعام وشراب ونساء وأموال وأولاد ومظاهر ومتع ... الخ يزين له ذلك على أنه ذو قيمة كبيرة جدا وأن فيه سعادة هائلة للإنسان ونفع كبير، وكل شيء فيه معصية يزين الشيطان للإنسان أن فيه سعادة كبيرة وراحة ونفع كبير.

ـ فالعمى هو رؤية الأشياء على غير قدرها، والبصيرة هي رؤية الأشياء على قدرها الحقيقي، فمعنى الإحساس بالقيمة أن يتكون عند الإنسان بصيرة يرى بها الأشياء على حقيقتها: (( إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ ) ) [3] ، (( زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ) ) [4] ، (( أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ ) ) [5] ، (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ) ) [6] .

ـ فمثلا الشيطان قد يزين للإنسان أن ما في يد غيره أفضل مما في يده، ويزين أن ما يفعله غيره أفضل مما يفعله هو ولو كان ما يفعله غيره خطأ، ويزين له أن الممنوع مرغوب وإن كان لا قيمة له، ويجعله يتوهم المتعة في أشياء ضئيلة، فالشيطان يغير من قيمة الشيء في نظر الإنسان، فقد يجعل الشيء يبدو عظيم القيمة لمجرد أن الناس يقبلون عليه وهكذا.

ـ فقد لا يقع الإنسان في الشهوات، لكنه يعيش حياته متمنيا لها قريبا منها يدور حولها وإن لم يقع فيها، فهو ينشغل باله بالشهوات ويسمع عنها ويتكلم بها، ويجد سعادته في الإغراء بها وتمنيها، فهو قد لا يكون غنيا لكنه يتمنى أن يصل إلى الغنى، وقد لا يكون ليس ذو منصب أو جاه لكنه يتمنى أن يكون ذو منصب وجاه، وقد لا يصل إلى شهوة الفرج لكنه يتمناها وينظر للعورات ويستمع لكلام الشهوات، أو قد يكون وقع في قليل من الشهوات السابقة لكنه يتمنى المزيد، ويظل طول عمره يتمنى حتى يموت، فإذا كان تعظيمه لهذه الأماني أكبر من تعظيمه لله، وإذا كانت مشاعره متعلقة بهذه الأماني أكبر من تعلقها بالله فهو يعبد الأماني، كما أن هذه الأماني تلهيه وتشغله عن معرفة الله تعالى: (( ذَرْهُمْ يَاكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ) )) [7] ، (( يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أمر اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُور ) ) [8] (( ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ

(1) طه: 120

(2) الإسراء: من الآية 32

(3) الملك: من الآية 20

(4) البقرة: من الآية 212

(5) محمد: 14

(6) فاطر: 5

(7) الحجر: 3

(8) الحديد: 14

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت