ـ الإنسان يعيش الحياة مرتان أو يعيش حياتان: (( قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ ) ) [1] ، (( كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) ) [2] ، (( وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإنسان لَكَفُورٌ ) ) [3] ، ولابد من الشعور بأن الحياة في الآخرة أفضل (( قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخرة خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى ) ) [4] ، (( وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخرة خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ ) ) [5] ، (( وَلَأَجْرُ الآخرة خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ) ) [6] ، (( وَالآخرة خَيْرٌ وَأَبْقَى ) ) [7] .
ـ إذا كان الإنسان يوقن يقينا حقيقيا بأن الحياة الأخروية خير وأبقى من الحياة الدنيوية فلابد أن يكون تعلق مشاعره وهمومه وأهدافه بالآخرة أكبر من تعلقها بالدنيا، وإذا شعر الإنسان أن هناك حياة أفضل بديلة عن هذه الحياة الدنيوية فلن يتشبث بها، فمن أثر ذلك مثلا أن الإنسان إذا أيقن يقينا حقيقيا بالحور العين وأن ذلك قريبا فلن ينظر إلى العاريات ويصبر عن النظر إليهن لان هناك البديل الأفضل القريب المنال، وإذا أيقن يقينا حقيقيا بان كل ما في الدنيا من متع مجرد أسماء فقط وان المتع الحقيقية إنما هي في الجنة فلن يلهث وراء متع الدنيا وسيصبر عنها ولن يعبأ بها لأنه قريبا سيصل إلي البديل الأفضل قريبا جدا، ولذلك نجد الآية مقترنة بالصبر: (( فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا، إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا، وَنَرَاهُ قَرِيبًا ) ) [8] .
ـ غربة الإنسان بين الناس (الإستغناء عن الناس ـ عدم الأنس بالناس) :
ـ معنى الشعور بالغربة أن يكون التعامل مع أمور الدنيا والناس كأنك غريب، أي التعامل مع الناس كأنهم كم مهمل (وهذا لا يعني عدم احترامهم) ، بمعنى التعامل معهم بالجوارح من غير تفاعل المشاعر بهم إلا في الله أو مما هو فطري وضروري من ضرورات الحياة، وكذلك حال المؤمن في طعامه وشرابه وأمور حياته، وذلك من كمال الإيمان، إما إذا ارتبطت مشاعر الإنسان بالناس أكبر من ارتباطها بالله فذلك نفاق أكبر.
ـ معني الرضا والاطمئنان بالدنيا:
ـ قد يصنع الإنسان لنفسه تصورا وهميا ويعيش فيه ويندمج فيه ويطمئن به، فقد يتصور أن المتع والآلام إنما هي في الدنيا، ويتصور أنها عظيمة، فيعيش في الدنيا ويطمئن بها (رغم أنها ليست دار معيشة وحياة يطمئن فيها الإنسان لأن دار الإنسان وحياته الحقيقية في الآخرة) ، فلا يحزن إلا لألم دنيوي ولا يفرح إلا للذة أو خير دنيوي، وذهنه لا ينشغل إلا بالتعامل مع مفردات الحياة ومشاغلها، فهذا هو الرضا والاطمئنان بالدنيا: (( إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ، أُولَئِكَ مَاوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) ) [9] .
ـ فيحدث اندماج وتعايش وتأقلم ورضا بقوانين العادات والتقاليد وما تعارف عليه الناس، أي أنه يشعر بالاستقرار في الدنيا فهو بذلك جعل الدنيا دار مقر وليست دار ممر وارتحال، فهو بذلك لا يرجو الآخرة ولا يخافها ولا يحمل هم لقاء الله، أما المؤمن فيشعر بأنه غريب عن هذه الحياة لأنها ليست وطنه فهو غير مطمئن بها ولا يألف المعيشة فيها لأنه يعيش بين غرباء ينتظر الرحيل إلى وطنه وأهله.
ـ خطورة الشعور بالغربة:
ـ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بمنكبي فَقَالَ: (( كُنْ في الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ وَعُدَّ نَفْسَكَ في أَهْلِ الْقُبُورِ، فَقَالَ لِى ابْنُ عُمَرَ إِذَا أَصْبَحْتَ فَلاَ تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِالْمَسَاءِ وَإِذَا أَمْسَيْتَ فَلاَ تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِالصَّبَاحِ وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ قَبْلَ سَقَمِكَ وَمِنْ حَيَاتِكَ قَبْلَ مَوْتِكَ فَإِنَّكَ لاَ تَدْرِى يَا عَبْدَ اللَّهِ مَا اسْمُكَ غَدًا ) ) [10] ، وفي حديث آخر: (( عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليه عمر وهو على حصير قد أثر في جنبه فقال يا رسول الله لو اتخذت فراشا أوثر من هذا فقال ما لي وللدنيا ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة ثم راح وتركها ) ) [11] .
ـ وهناك فرق بين الغربة كعمل والغربة كشعور، فالغربة كعمل هي أن يعيش الإنسان مثلما يعيش الإنسان الغريب عن أهله ووطنه وهي أثر ينشأ من الشعور بالغربة وهي مطلوبة شرعا، أما الغربة كشعور في النفس فبدونها لا يتحقق الإيمان الحقيقي بالآخرة، لأن الآخرة يقينا هي مستقر الإنسان وفيها وطنه وأهله وهي الحياة الحقيقية، والدنيا يقينا عابرة فمن لا يشعر بالغربة في الدنيا فهو لا يوقن يقينا حقيقيا بذلك أبدا، فهل تشعر في نفسك بالغربة، وهل تعيش حياتك كشخص غريب أو كرجل عابر سبيل أو مسافر؟!.
ملحوظة:
ـ المطلوب تحديدا في الحديث السابق هو الشعور بأنك عابر سبيل وليس الشعور بأنك غريب لأن كلمة (أو) بمعنى الإضراب أي بمعنى (بل) ، والشعور بأنك عابر سبيل هو أصعب وأشد من الشعور بالغربة، وهو يتضمن أيضا الشعور بالغربة، فعابر السبيل هو غريب، فإذا كان الشعور بالغربة غير موجود فما بالك بالشعور بأنك عابر سبيل، فالدنيا طريق تمشي فيه وليست حتى مسكن مؤقت، فعابر السبيل قد لا يجلس في مكان يأكل فيه وإنما يأكل وهو سائر في الطريق وأكله طعام خفيف مثلما يأخذه المسافر أثناء سفره، فلا يتفنن في أصناف الطعام والشراب وإنما كيفما اتفق، فإنما يأخذ من الدنيا زاد المسافر.
ـ الحالة النفسية للشعور بالغربة:
ـ أنظر إلى الحالة النفسية والحالة المزاجية والعاطفية لشخص مغترب يريد العودة إلى أهله وزوجته وأولاده ووطنه، أنظر إلى شعوره بالحنين والشوق للعودة ومدي انشغال باله وتفكيره في يوم العودة، إن هذه الحالة النفسية هي التي تسمي شعور بالغربة، فإذا لم يكن عندك هذه الحالة النفسية فإن الآخرة والذهاب إليها لا وجود لها في مشاعرك، إن الشخص الذي في غربة ليست قضيته أن يبحث عن الراحة والطعام والشراب، فإنه ينتظر الراحة والطعام والشراب عند العودة إلى وطنه، أما طعامه وشرابه ومكان نومه وعيشه في بلد الغربة فهو كيفما اتفق يرضي بأي شيء يؤدي الغرض، فهل في شعورك أن الطعام الذي تأكله هو طعام مؤقت وأن السكن الذي تسكن فيه هو سكن مؤقت أم أنك تشعر أنه سكن دائم؟، وهل تشعر بأنك مسافر بلا رجعة (سفر بلا عودة) أي بعدم الرجوع إلى الدنيا؟، هل لديك شعور بأن هذا السفر هو سفر نهائي وأنه سفر بلا عوده، وقد سبقك إليه الكثيرون والدور في انتظارك، والرحيل مفاجئ وفوري وبلا رجعة؟، وهل تشعر بالترقب والانتظار ليوم العودة إلى وطنك وأهلك هناك في الآخرة؟، وهل تشعر أنك تعيش الآن في بلد الغربة (الدنيا) ؟، إذن فالقضية حاسمة وخطيرة ولا تحتمل التراخي، ولكننا في غفلة، وليس للإنسان أن يجرب أو يتغافل فنحن ضيوف على وجه هذه الكوكبة الأرضية، إذن يتضح الآن أن عالم الغيب في نظرك ليس إلا اقتناع نظري وليس له وجود في مشاعرك، إن الذي لا يشعر بأنه مقبل على عالم آخر فإنه يعيش كأنه لن يموت، فالموت عنده مجرد اقتناع نظري، وعندما يأتيه الموت يشعر أنه هو النهاية، ولا يريد أن يموت، ويكره مَنْ يقبض روحه، إنها ليست موعظة ورقائق ولكنها حقائق ومشاعر حقيقية في النفس، لذلك أنظر هل عندك فعلا شعور بالغربة والحنين؟، أم أنك تدعي ذلك؟، والشعور بالغربة أمر خطير لأن عدم وجود الشعور بالغربة يعني أن الذهاب إلى الآخرة لا وجود له في مشاعرك.
ـ أنظر إلى الحالة النفسية لشخص سجين، إنه يشعر بالحنين إلى أهله ووطنه، ويشعر بالضيق مما هو فيه، فهذا حال المؤمن ففي الحديث: (( الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ) ) [12] .
ـ شهوات الجنة فوق مستوى الخيال وأعجب من السحر:
ـ كل ما يمكن أن تتخيله من المتع والشهوات من نساء فاتنة ساحرة وخمور وكل ألوان الطعام والشراب وكل ألوان المرح والترفيه فشهوات الجنة أكبر من ذلك، وكل شيء بمجرد أن تتمناه يتحقق لك كأنه سحر لكنه حقيقة، وكل هذا موجود الآن في الجنة: (( وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ ) ) [13] ، (( وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ) ) [14] ، (( لَهُمْ
(1) غافر: من الآية 11
(2) البقرة: 28
(3) الحج: 66
(4) النساء: من الآية 77
(5) الأنعام: 32
(6) يوسف: 57
(7) الأعلى: 17
(8) المعارج: 5 ـ 7
(9) يونس: 7، 8
(10) حديث صحيح (جامع الترمذي ج: 4، ص: 567، برقم 2333)
(11) التخريج: صحيح (صحيح الترغيب والترهيب ج: 3، برقم: 3283)
(12) قال الشيخ الألباني: صحيح (جامع الترمذي ج: 4، ص: 562، برقم 2324)
(13) الأنبياء: 102
(14) فصلت: 31،32