فهرس الكتاب

الصفحة 98 من 166

ـ فمن عرف قصر حياته في الدنيا عرف اقتراب الآخرة، ومن عرف ضآلة الدنيا عرف خطورة الآخرة، ومن قصر أمله في الدنيا عرف الخلود فيها، ومن عرف ضآلة نفسه عرف عظمة ربه، ومن عرف في نفسه صفات النقص والضعف عرف صفات الكمال في الله تعالى، والعكس صحيح فالذي يعظم في قدر أهمية الدنيا وقدر متعها ومدى قدرات الإنسان ومدى التكنولوجيا التي صنعها فهو لا يعرف الله ولا يعرف الآخرة، لذلك فغرور الإنسان بنفسه وغروره بالدنيا وغروره بما يملك يجعله لا يعرف الآخرة، بل الذي يعظم قدر ما يعمله من الطاعات فيغتر بذلك أو يعظم قدر رحمة الله به فيغتر ويظن أنه من أهل الفردوس الأعلى في جنات النعيم فهو مغرور، لذلك فالشيطان يسمى الغَرور لأن هذا دوره في إغواء الإنسان فيقول تعالى (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ) ) [1] فالشيطان يجعل الإنسان يغتر برحمة الله فيظن أنه من أهل الجنة، ولذلك يسمى متاع الدنيا بمتاع الغرور لأنه متاع إغراء وليس بمتاع حقيقي: (( وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ) ) [2] ، لذلك من فوائد الابتلاءات هي أن يكون الإنسان عاريا مما يغتر به فيعرف ضعف نفسه فيعرف ربه، (( وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ) ) [3] ، (( فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ) ) [4] ، (( وَإِذَا مَسَّ الْإنسان ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ) ) [5] ، وفي الحديث: (( الْجَنَّةُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ، وَالنَّارُ مِثْلُ ذَلِكَ ) ) [6] .

ـ الإحساس باقتراب الآخرة معناه الشعور كأن أهوال القيامة تهجم علينا، وتعنى أننا الآن في حالة استعداد وتأهب للقائها كاستعدادنا لحرب عدو قادم إلينا ففي تفسير الطبري: (( يعني تعالى ذكره بقوله(اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ) : دنت الساعة التي تقوم فيها القيامة، وقوله (اقْتَرَبَتِ) افتعلت من القُرب، وهذا من الله تعالى ذكره إنذار لعباده بدنوّ القيامة، وقرب فناء الدنيا، وأمر لهم بالاستعداد لأهوال القيامة قبل هجومها عليهم، وهم عنها في غفلة ساهون )) [7] .

ـ لو أن إنسان محكوم عليه بالإعدام وهو ينتظر تنفيذ الحكم وينتظر لقاء الله عن قريب، ماذا يمكن أن يفعل؟ وكيف يكون شعوره بالدنيا؟، هل يظل قلبه متعلق بالدنيا وبما فيها؟، أم أنه سوف لا يتعلق قلبه إلا بالآخرة وما هو صائر إليه؟، إن جميع الناس في الدنيا محكوم عليهم بالإعدام بالفعل وليس على سبيل البلاغة، مع اختلاف كيفية الموت هل بالمرض أم حادثة أم بالقتل أم موت فجائي، إن عمر الإنسان في الدنيا ولو كان مائة سنة فهي سنوات قليلة وأيام معدودة لمن يعقل سواء في مرورها سريعا أو بالمقارنة بالخلود في الآخرة، إذن فالإنسان ينتظر قريبا تنفيذ الحكم بموته وانتقاله إلى الدار الآخرة فلابد أن يكون حاله مثل حال الإنسان المحكوم عليه بالإعدام وهو ينتظر تنفيذ الحكم بل أشد لأن تنفيذ الحكم هنا في أي لحظة مفاجئة دون معرفة الوقت المحدد لتنفيذ الحكم، فمن كان يوقن يقينا حقيقيا بالآخرة فإنه يوقن يقينا حقيقيا بقصر العمر في الدنيا وأنه على وشك الوصول إلى الآخرة، ومن كان يوقن بذلك فلن تتعلق مشاعره وهمومه وأهدافه بالدنيا إلا مثل عابر السبيل أو المسافر الذي يستعد للرحيل والعودة إلى بلده، خاصة وأن الدنيا ليست إلا دار تعب ونصب، لذلك في المثل: (الدنيا أشغال شاقة وآخرتها الإعدام) .

ـ فالحياة في الدنيا قصيرة: (( قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْأَلِ الْعَادِّينَ ) ) [8] ، (( وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ ) ) [9] ، (( وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ ) ) [10] ، (( كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ) ) [11] ، (( كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا ) ) [12] فالدنيا يومين يوم مضى وبقي يوم.

ـ اليقين الحقيقي بأن الآخرة خير وأبقى:

(1) فاطر: 5

(2) الحديد: من الآية 20

(3) سورة النحل: 53

(4) العنكبوت: 65

(5) الزمر: 8

(6) رواه البخاري (6567)

(7) تفسير الطبري - (ج 22 / ص 565)

(8) المؤمنون: 113

(9) يونس: من الآية 45

(10) الروم: من الآية 55

(11) الأحقاف: من الآية 35

(12) النازعات: 46

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت