فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 166

وعاندوها وكابروها، {ظُلْمًا وَعُلُوًّا} أي: ظلما من أنفسهم، سَجِيَّة ملعونة، {وَعُلُوًّا} أي: استكبارًا عن إتباع الحق )) [1] . (( فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ) ) [2] .

ـ والطريقة الثانية للتكذيب هو أن يستكبر، فدعوة الرسل معناها أن يخضع الإنسان لله، فيستكبر فلا يخضع، رغم أنه مقتنع نظريا بأن عليه أن يخضع، لذلك فالإنسان إما مؤمن أو مستكبر ولا يوجد شيء ثالث، ففي تفسير البغوي: (( {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا} تكبروا عن الإيمان بها، وإنما ذكر الاستكبار لأن كل مكذب وكافر متكبر، قال الله تعالى"إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون") ) [3] .

ـ وحيث أن الإستكبار هو رفض للأمر غير مبني على دليل فلا يستطيع أن يواجه الأمر أمام نفسه لأن الإنسان له عقل لا يوافق على أمر بغير دليل، فيلجأ إلى حيلة لإخفاء هذا الإستكبار وهي أن يعطل وظائفه، فتصبح وظائف الإنسان موجودة ولكن معطلة فهي تعمل فقط ظاهريا ونظريا بغير الإحساس بقيمة الأمر.

ـ بمعنى أن الإنسان يتجاهل الأمر ويتغافل عنه ويتغابى عنه ويتناساه كأنه لم يسمع عنه وكأنه لم يعرفه وكأنه لم يعلمه، فيكون كأنه غير مصدق ولا مكذب وكأنه غير كافر بالأمر ولا مؤمن به وهذا يسمى كفر التولي القلبي أو كفر الإعراض القلبي: (( وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ(7) يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ )) [4] ، (( وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) ) [5] .

ـ الكفر ثلاثة أنواع: [[الأول كفر جهلي وسببه غياب الإحساس بالآيات الدالة على وجود الله تعالى، والإعراض عما جاء به الرسل عليهم الصلاة والسلام ككفر العوام المشتغلين بالدنيا والثاني الكفر الجحودي العنادي ... والثالث الكفر الحكمي (أي الذي يحكم به على إسلام الفرد الظاهر) ] ] [6] ، أي الجهل بالله بسبب غياب الإحساس بالقيمة لآيات الله المنظورة.

ـ العلاقة بين الإحساس بالقيمة والدين:

ـ الدين يتحقق بثلاثة أمور هي:

1 ـ جانب معرفي: هو العلم النظري بالله والآخرة وبأمور الدين والفقه وهي أمور تعرفها وتتعلمها ويمكن كتابتها وقراءتها وتعلمها.

2 ـ جانب شعوري: وهي أمور ليست معرفية ولا يمكن كتابتها وقراءتها وتعلمها ولكنها أمور تحس بها، وهي تشمل الإحساس بالقيمة وخوف المهابة والحب وخوف العقاب ورجاء الثواب والخضوع وطاعات ومعاصي القلوب، وهذا الكتاب هو إظهار لهذا الجانب ورغم ذلك فهو أمر تحققه في مشاعرك وليس كلاما تقرأه في كتاب وليس معرفة نظرية بالجانب الشعوري ولكن تنفيذ له في المشاعر.

3 ـ جانب عملي: وهو عمل الجوارح.

ـ الإسلام عند بعض المسلمين يتحقق فيه الجانب المعرفي والجانب العملي بينما ضاع الجانب الشعوري فضاع روح الإسلام، وأصبح الإسلام عندهم كالجسد بلا روح.

ـ المطلوب أن يكون الإنسان حيا وليس ميتا فيكون له سمع وبصر وعقل يعقل به الأمور، فإذا كان الإنسان حيا فإنه سوف يستجيب لدعوة الرسل ويؤمن ويدخل الجنة، وإذا لم يكن الإنسان حيا بسمع ويبصر فإنه لن يؤمن بما دعا إليه الرسل ويخلد في النار: (( إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ) ) [7] ، (( لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ ) ) [8] (( وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ) ) [9] .

ـ ومعنى أن يكون الإنسان حيا يسمع ويبصر أن يكون عنده إحساس بقيمة ما يسمعه وما يراه، إذن المطلوب تحديدا هو إيجاد الإحساس بالقيمة، فالإنسان إذا آمن بشيء من غير إحساس بقيمة ما يؤمن به فهذا إيمان نظري لا قيمة له.

(1) تفسير ابن كثير - (ج 6 / ص 181)

(2) الأنعام: من الآية 33

(3) تفسير البغوي - (ج 3 / ص 227)

(4) الجاثية: 7، 8

(5) لقمان: 7

(6) الكفر والمكفرات ـ أحمد عز الدين البيانوني ص: 6 (دار السلام)

(7) الأنعام: 36

(8) يس: 70

(9) الملك: 10

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت