ليس لبشر حق على الخالق إلا أنه حق أخذه الله على نفسه، كما يبارك لهم في أرزاقهم ويجيب دعاءهم، كما أنه يجيب دعوة المضطرين ويفرج الكربات، ويعطي الناس من كل ما سألوه: (( وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإنسان لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ) ) [1] .
ـ أهم المشاعر التي تنشأ عن الإحساس بصفات الإنعام هي الشعور بحب الله تعالى، فإذا لم يشعر الإنسان بحب الله تعالى فهذا يعني عدم شعوره بأن له ربا (فإن كلمة رب تعني صفات الإنعام والمالك والخالق والعزيز، أي الربوبية) ، ومن هنا نعرف الفرق بين اقتناع المرء نظريا بأن له ربا وشعوره بأن له ربا، كما ينشأ عن الإحساس بقدر صفات الإنعام التوكل على الله لأنه الرزاق والكريم والوهاب ولا أحد غيره يرزق أو ينفع أو يضر.
ـ اليقين الحقيقي بصفات الإنعام يؤدي إلى الشعور بالحياء من الله:
ـ عندما يشعر الإنسان بكرم الله وفضله عليه فإنه يستحي أن يعصيه أو يفعل ما يغضبه، فيعبد الله حياءا منه، وفي الحديث: (( استحيوا من الله حق الحياء قال قلنا يا رسول الله إنا نستحيي والحمد لله قال ليس ذاك ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى والبطن وما حوى ولتذكر الموت والبلى ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء ) ) [2] ، فالإنسان يترك الذنب خشية أنه عندما يقف أمام الله فماذا يقول له؟ فهو يستحي أن يضع نفسه في هذا الموقف المخجل حيث يأكل من رزق الله ويعيش على أرضه وينعم بنعمه ثم يقف أمامه وقد عصاه فما يقول له؟!!، ومن لم يشعر بالحياء من الله لم يشعر بأن الله له صفات الإنعام.
ـ لكي يتحقق الشعور بأن الله هو النافع الضار لابد من تحقيق ثلاثة أمور هي:
1 ـ الإحساس بقيمة النفع أو الضرر، فيشعر بأهمية ما عنده من نعم كالماء والهواء ويشعر بخطورة سلب هذه النعم، والنفع والضر في الدنيا ضئيل، وأكبر النفع وأكبر الضرر هما الجنة والنار.
2 ـ الإحساس أن ذات الشيء لا يضر ولا ينفع، والله هو الذي وضع فيه خاصية النفع أو خاصية الضرر، فالنار لا تضر من ذاتها ولكن الله وضع فيها خاصية الضرر، لذلك فالخوف لا يكون من ذات النار ولكن الخوف من الله الذي يعاقب بالنار، وحب الجنة ليس لذاتها ولكنه حب لله لأنها من ثواب الله والله جعلها تنفع، لذلك فالخوف من الآخرة هو خوف في الله، فالمؤمن لا يخاف إلا من الله.
3 ـ الإحساس بأن النفع أو الضرر ليس من صنع الإنسان ولا يحدث من تلقاء نفسه وليست الأسباب هي التي تحدث النفع أو الضرر ولا الأيام ولا الزمان، فكل ما سوى الله لا ينفع أو يضر أحد فضلا عن أن ينفع أو يضر نفسه، ولكن الله وحده هو النافع الضار، فما يكون من نفع فمن فضل الله وليس بسبب طاعة الطائع، وما يكون من ضرر فهو عقاب من الله على تقصير العبد.
ـ اليقين الحقيقي بأن الله وحده هو النافع الضار يؤدي إلى توحيد الخوف والحب والرجاء والخضوع:
ـ الشيء الذي لا ينفع ولا يضر هو شيء ليس له قيمة فهو أمر تافه سواء كان شيئا معنويا أو شيئا ماديا، فلا يهتم به أحد ولا ينشغل به ولا يتأثر به أحد.
ـ إذن كل شيء سوى الله لا قيمة له فيجب أن لا تتعلق به مشاعر الإنسان، ولكن ذلك ينطبق على ذات الشيء وليس على ما يستمده من الله أو يتصف به، فمثلا الرسول (ص) هو عظيم القدر لارتباطه بالله ولأن الله أرسله ولإيمانه وتقواه، فلا يحب لذاته إلا الله تعالى، فحب الرسول (ص) هو حب في الله، وكذلك العزة بالله، فالمؤمن يستمد عزته من اتصاله بالله والدين، فالمؤمن لا يحب شيء ولا يكره شيء ولا يخاف من شيء إلا في الله.
ـ إذن المؤمن ينظر إلى صاحب الصولجان والجاه والسلطان في الدنيا على أنه تافه لا قيمة له ما لم يكن متصلا بالله فيحب ما فيه من صلة بالله وليس يحب ذاته.
ـ إذن فالمؤمن لا يحب إلا الله ولا يخاف إلا من الله ولا يخضع إلا لله ولا يرجو إلا الله ولا يتوكل إلا على الله، وهذا هو ما يسمى بتوحيد خوف المهابة والحب وخوف العقاب ورجاء الثواب والخضوع
(1) إبراهيم:34
(2) قال الشيخ الألباني: حسن (جامع الترمذي ج: 4، ص: 637، برقم 2458)