الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ الرُّسُلَ وَأَنْزَلَ بِهِ الْكُتُبَ وَهُوَ تَحْقِيقُ شَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَقَدْ فَنِيَ مِنْ قَلْبِهِ التَّأَلُّهُ لِغَيْرِ اللَّهِ وَبَقِيَ فِي قَلْبِهِ تَأَلُّهُ اللَّهِ وَحْدَهُ وَفَنِيَ مِنْ قَلْبِهِ حُبُّ غَيْرِ اللَّهِ وَخَشْيَةُ غَيْرِ اللَّهِ وَالتَّوَكُّلُ عَلَى غَيْرِ اللَّهِ وَبَقِيَ فِي قَلْبِهِ حُبُّ اللَّهِ وَخَشْيَةُ اللَّهِ وَالتَّوَكُّلُ عَلَى اللَّهِ. وَهَذَا الْفَنَاءُ يُجَامِعُ الْبَقَاءَ فَيَتَخَلَّى الْقَلْبُ عَنْ عِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ مَعَ تَحَلِّي الْقَلْبِ بِعِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِرَجُلِ {قُلْ: أَسْلَمْت لِلَّهِ وَتَخَلَّيْت} وَهُوَ تَحْقِيقُ شَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ بِالنَّفْيِ مَعَ الْإِثْبَاتِ؛ نَفْيِ إلَهِيَّةِ غَيْرِهِ مَعَ إثْبَاتِ إلَهِيَّتِهِ وَحْدَهُ )) [1] ، وفي موضع آخر: (( قسم الشيخ الفناء إلى ثلاثة أنواع وهي: النوع الأول: الفناء عن إرادة ما سوى الله: وهذا هو الفناء الكامل الواجب على كل مسلم بحيث لا يحب إلا الله ولا يعبد إلا إياه، ولا يتوكل إلا عليه، فينفي عن عبادة الله عبادة ما سواه وهذا الفناء هو(تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، فإنها تنفي عن قلبه ألوهية ما سوى الله، وتثبت في قلبه ألوهية الحق، فيكون نافيًا لألوهية كل شئ من المخلوقات، مثبتًا لألوهية رب العالمين، ورب الأرض والسماوات، وبذلك يتضمن اجتماع القلب على الله، وعلى مفارقة ما سواه ) ) [2] .
ـ يقول الإمام محمد ابن عبد الوهاب: (( أصل التوحيد وروحه إخلاص المحبة لله وحده وهي أصل التأله والتعبد له، بل هي حقيقة العبادة، ولا يتم التوحيد حتى تكمل محبة العبد لربه، وتسبق محبته جميع المحاب وتغلبها، ويكون لها الحكم عليها بحيث تكون سائر محاب العبد تبعا لهذه المحبة التي بها سعادة العبد وفلاحه، ومن تفريعها وتكميلها الحب في الله، فيحب العبد ما يحبه الله من الأعمال والأشخاص، ويبغض ما يبغضه الله من الأشخاص والأعمال، ويوالي أولياءه ويعادي أعداءه، وبذلك يكمل إيمان العبد وتوحيده ) ) [3] .
ـ الآيات والأحاديث التي تبين عدم التعلق بالناس، ففي الحديث: (( .. واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك ) ) [4] ، ومن علم أنه لن ينفعه أحد انشغل بنفسه في حاله مع الله عن الانشغال بالناس وعاش غريبا بين الناس ففي الحديث: (( كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل ) ) [5] ، ويقول تعالى: (( لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ ) ) [6] ، (( يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ، وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ) ) [7] ، وفي الحديث: (( واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل وعزه استغناؤه عن الناس ) ) [8] .
ـ الآيات والأحاديث التي تبين التوكل على الله تعالى، وهي كثيرة مثل قوله تعالى: (( وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) ) [9] ، والتوكل يعني عدم تعلق القلب بالناس.
ـ يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (( إثبات الإلهية لله وحده بأن يشهد أن لا إله إلا هو ولا يعبد إلا إياه ولا يتوكل إلا عليه ولا يوالي إلا له ولا يعادي إلا فيه ولا يعمل إلا لأجله ) ) [10] .
ـ الله وحده سبحانه هو النافع الضار وغير الله لا ينفع ولا يضر، وما لا ينفع ولا يضر هو شيء غير مهم لا تتعلق به المشاعر فلا يحبه أحد ولا يخافه ولا يخضع له ولا يرجوه إلا في الله، فالدنيا ضئيلة وبالتالي من كان يوقن يقينا حقيقيا بضآلة الدنيا وشعر بزوالها فلن تتعلق بها مشاعره، إذن كل شيء سوى الله لا قيمة له فتنقطع عنه المشاعر سواء كان شيئا معنويا أو ماديا سواء كان بشرا أو جماد.
ـ جاء في الحديث: (( ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار ) ) [11] ، فشرط الإيمان أن يكون حب الله ورسوله أكبر مما سواه، وحب الرسول (ص) وحب المؤمنين تابعة لحب الله، وإذا تحقق هذا الشرط تحققت حلاوة الإيمان بالضرورة، وحلاوة الإيمان هي السعادة النفسية التي يشعر بها المؤمن.
(1) رسالة الفرقان بين الحق والباطل - (1/ 93)
(2) منهج شيخ الإسلام في العبادة والتزكية - (1/ 33)
(3) القول السديد شرح كتاب التوحيد - (ج 1 / ص 116)
(4) قال الشيخ الألباني: صحيح (جامع الترمذي ج: 4، ص: 667، برقم: 2516)
(5) السلسلة الصحيحة (1157)
(6) الممتحنة: 3
(7) عبس: 34 ـ 36
(8) تحقيق الألباني: (حسن) انظر حديث رقم: 73 في صحيح الجامع.
(9) المائدة: من الآية 23
(10) درء تعارض العقل والنقل - (1/ 224)
(11) تحقيق الألباني: صحيح (انظر حديث رقم: 3044 في صحيح الجامع)