مثال (7) : هناك من إذا قرأ القرآن تأثرت مشاعره لمجرد أنه شعر أن هذه الآيات هي كلام الله حتى من غير أن يعرف معناها، وقد يظهر ذلك التأثر في صورة بكاء وقد لا يظهر لكن يهتز الوجدان من الداخل، في حين أن الكثير يقرءون القرآن وهم على اقتناع نظري تام بأنه كلام الله من غير أن يتأثروا، ذلك لأن مجرد الاقتناع النظري بأنه كلام الله لا يكفي فلابد من الشعور بأنه كلام الله، وهناك من الصحابة من أسلم لمجرد سماعه آيات القرآن.
مثال (8) : إذا ذهبت لشراء مشغولات ذهبية من محل صائغ، وأحضر لك البائع مشغولات ذهبية غاية في الجمال وأشكالها مبدعة، ولكن بعد أن رجعت إلى البيت اكتشفت أن هذه المشغولات الذهبية ليست ذهبا وانما هي تقليد، فأنت هنا انبهرت بالشيء الذي تشتريه ولم تشعر بحقيقة هذا الشيء، فهكذا الدنيا تبدو كأنها مشغولات ذهبية فإذا لم تشعر بحقيقتها فكنت غافلا عن حقيقة ضآلتها فإنك تغتر بها، فيؤدي هذا التزيين الخادع إلى تأثر خوف المهابة والحب وخوف العقاب ورجاء الثواب والخضوعبها والعمل لها ثم بعد أن تشتريها تكتشف ضآلتها أو تظل غافلا لم تنتبه بعد شراءها ويوم القيامة تكتشف ضآلتها.
مثال (9) : لو عرض عليك إنسان أن تشتري جدي بدرهم واحد فقط ولكن المشكلة أن هذا الجدي ميت فهل توافق؟، طبعا لا لأن هذا الجدي ميت فلا قيمة له ولا فائدة منه فلا تعبأ به لأنه لا قيمة له ولا تتفاعل مشاعرك وهمومك واطمئنانك به، وهذا ما علمه الرسول (ص) لأصحابه ففي الحديث عن جابر بن عبد الله: (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر في السوق داخلا من بعض العالية والناس كنفيه فمر بجدي أسك ميت فتناوله فأخذ بأذنه ثم قال أيكم يحب أن هذا له بدرهم فقالوا ما نحب أنه لنا بشيء وما نصنع به قال أتحبون أنه لكم قالوا لا قال ذلك لهم ثلاثا فقالوا لا والله لو كان حيا لكان عيبا فيه أنه أسك ـ والأسك الذي ليس له أذنان ـ فكيف وهو ميت قال فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم ) ) [1] .
ـ الإحساس بالقيمة له أربعة حالات:
ـ يمكن تشبيه القلب بالكوب، والإحساس بالقيمة بالماء الموضوع في الكوب، فيكون هناك أربعة حالات هي:
1 ـ الحالة الأولى:
ـ وهي أن يكون الكوب ممتلئا عن آخره، ففي هذه الحالة يكون الإحساس بالقيمة كاملا ويكون اليقين الحقيقي كاملا ويصل الإنسان إلى كمال الإيمان، والمؤمن مطالب بأن يكون على هذه الحالة فيكون قلبه ممتلئا بحب الله والخوف منه والخضوع له ورجاءه، وذلك من معاني لا إله إلا الله، أي لا أحب إلا الله ولا أخاف إلا من الله ولا أخضع إلا لله ولا أرجو إلا الله.
2 ـ الحالة الثانية:
ـ وهي أن يكون الماء أعلى من نصف الكوب، فيكون القلب فيه قدر من الماء وقدر من الهواء، أي أن قدر الإحساس بالقيمة أكبر من قدر غياب الإحساس بالقيمة، وبذلك يكون اليقين الحقيقي موجودا ولكن ناقصا وليس كاملا، والإيمان موجودا ولكن ضعيفا وليس كاملا.
3 ـ الحالة الثالثة (الشك) :
ـ وهي أن يكون الماء في منتصف الكوب أو أقل منه، وهذا هو الشك، فيقع الإنسان في النفاق الأكبر ويكون مترددا مذبذبا، ويكون عنده قدر من حب الله وقدر من حب الدنيا، وحب الدنيا أكبر من حب الله.
4 ـ الحالة الرابعة:
ـ وهي أن يكون الكوب فارغا تماما من الماء، فلا يوجد إحساس بالقيمة، فيقع الإنسان في النفاق الأكبر ويكون منافقا خالصا، ويكون قلبه ممتلئا بحب الدنيا، وليس في قلبه ذرة من حب الله.
ـ الشك إما أن يكون في اليقين النظري أو في الإحساس بالقيمة، وحيث أن اليقين النظري موجود عند جميع الناس، فالشك يكون في الإحساس بالقيمة، وقد أوضحنا أن الحالة الثالثة من الإحساس هي الشك، وفي تفسير الطبري: (( يقول تعالى ذكره: لئن لم ينته أهل النفاق الذين يستسرون بالكفر ويظهرون الإيمان(وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) يعني: ريبة من شهوة الزنا وحب الفجور )) [2] ، أي أن المرض الذي في قلوبهم هو الريبة والشك بسبب حبهم للشهوات، فالريبة والشك هنا مسألة مشاعر وليست في اليقين النظري.
1 ـ التكذيب بقول باللسان وباليقين النظري:
(1) قال الشيخ الألباني: صحيح (الأدب المفرد ج: 1، ص: 334، برقم: 962)
(2) تفسير الطبري - (ج 20 / ص 326)