ـ شهوة المظاهر تنشأ من غرور الإنسان بنفسه وعدم الإحساس بقدر ضعف الإنسان، وينشأ عنها العجب وحب النفس وحب المظاهر والكبر والحسد ... الخ، وكالتفاخر بالأولاد والزوجات والأقارب والممتلكات والأموال وغير ذلك.
ـ الإحساس بقدر ضآلة الإنسان يؤدي إلى الشعور بالخضوع لله تعالى، وإذا لم يشعر الإنسان بضآلته فلن يشعر بالخضوع لله تعالى، فهو عندئذ عنده إباء واستكبار عن الخضوع لله تعالى.
ـ الإنسان ضئيل القيمة أوله نطفة مذرة (أي نطفة لا قيمة لها ولا حياة فيها) وآخره جيفة قذرة، وهو بين ذلك يحمل العذرة (أي يحمل في أمعاءه البراز النتن أثناء حياته) ، (( كما ورد أن بعض الأمراء لقي بعض البله في طريق فلم يفسح له، فغضب وقال: كأنك ما تعرفني؟ فقال بلى والله! إني لأعرفك، أولك نطفة مذرة وآخرك جيفة قذرة، وأنت فيما بين ذلك تحمل العذرة ) ) [1] ، (( فتفكر فيما قال ابن السماك للرشيد وقد دعا بحضرته بقدح فيه ماء ليشربه، فقال له: يا أمير المؤمنين فلو منعت هذه الشربة بكم كنت ترضى أن تبتاعها؟ فقال له الرشيد: بملكي كله، قال: يا أمير المؤمنين فلو منعت خروجها منك بكم كنت ترضى أن تفتدي من ذلك؟ قال: بملكي كله، قال؟ يا أمير المؤمنين أتغتبط بملك لا يساوي بولة ولا شربة ماء! ) ) [2] وفي رواية أخرى قال له ابن السماك: (( فلا خير في ملك لا يساوي شربة ولا بولة! ) ) [3] ، ويقول الشاعر: نسي الطين يوما أنه طينا فصال تيها وعربدا.
ـ فالإنسان ضعيف: (( أَوَلَمْ يَرَ الْإنسان أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ) ) [4] ، (( هَلْ أَتَى عَلَى الْإنسان حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شيئا مَذْكُورًا ) ) [5] ، (( وَخُلِقَ الْإنسان ضَعِيفا ً ) ) [6] ، ومما يدل على ضعف الإنسان أنه ينام فذلك من صفات النقص.
ـ ومن عرف ضآلة نفسه وضآلة الدنيا فقد عرف عظمة الله وعرف خطورة الآخرة، وفي نظم الدرر للبقاعي: (( رأس الفسق الجهل بالله، ورأس العلم ومفتاح الحكمة معرفة النفس، فأعرف الناس بنفسه أعرفهم بربه «من عرف نفسه فقد عرف ربه» ) ) [7] ، وفي تفسير حقي: (( قال أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضي الله عنه «من عرف نفسه فقد عرف ربه» ) ) [8] ، والعكس صحيح فهناك من يعبد نفسه وهناك من يعبد الشهوة فهو مغرور بنفسه وبالدنيا.
ـ إن مفهوم الإحساس بقدر كلمة"إله"معناه أن يعيش الإنسان حياته رهينا خاضعا له، أي تصبح وظيفته في الحياة ومهمته الأولى التي يكرس حياته من أجلها هي أن يعمل عند الله عبدا كما يعمل الخادم عند سيده فيعيش عمره كله على هذا، فهذا اختار أن يكون عبدا لله، أما غيره فاختار أن يعيش حرا كأن لا أحدا يملكه ولا يتبع لأحد وكأنه هو الذي أوجد نفسه أو لا أحد أوجده، ولاحظ أن: (( الخلْق كلهم عبادُ الله كما قال تعالى: {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا(93) } ، فكلُّ الخلق عباد الله المؤمن والكافر، ولكن العبودية على قسمين: عبوديّة عامّة: وهذه تشمل جميع الخلق المؤمن والكافر كلُّهم عبادُ لله تعالى، بمعنى: أنّهم مملوكون لله، مخلوقون لله، يتصرّف فيهم، ويدبِّرُ أمورهم، لا يخرُج عن هذا أحد من الخلق، النوع الثاني: عبوديّة خاصّة: وهي عبوديّة التألُّه والمحبّة، وهذه خاصّة بالمؤمنين: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ} ، {يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ} ، فهذه عبوديّة خاصّة بالمؤمنين )) [9] .
ـ ومما يدل على ضعف الإنسان: (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شيئا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ، مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ) ) [10] ، فالإنسان لا يستطيع أن يصنع ولو ذبابة.
ـ ومما يبين ضآلة الكون أنه لم يكن له وجود قبل خلقه فلم يكن غير الله وحده ففي الحديث: (( كان الله ولم يكن شيء قبله ) ) [11] ، ومما يبين ضآلة الإنسان أنه لم يكن له وجود قبل خلقه فكانت الأرض موجودة وعليها الحيوانات ولم يكن الإنسان
(1) نظم الدرر للبقاعي - (ج 2 / ص 342)
(2) الأخلاق والسير - (ج 1 / ص 18)
(3) سراج الملوك - (ج 1 / ص 12)
(4) يّس: 77
(5) الإنسان: 1
(6) النساء: من الآية 28
(7) نظم الدرر للبقاعي - (ج 8 / ص 453)
(8) تفسير حقي - (ج 10 / ص 18)
(9) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد - (ج 3 / ص 352)
(10) الحج: 73، 74
(11) التخريج: صحيح (تخريج الطحاوية: برقم: 139)