فهرس الكتاب

الصفحة 153 من 166

ـ والحكمة من وجود هذا القدر الضئيل من لذة الجماع ولذة الطعام والشراب هو أن الله يجعلك تذوق فقط شيئا من طعم اللذة حتى تعرف اللذة الحقيقية التي هي في الجنة، فاللذة في الدنيا مجرد اسم فقط، أما اللذة في الجنة هي اللذة الكبرى الحقيقية: (( وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) ) [1] ، وبغير هذا القدر الضئيل من اللذة في الدنيا لم يكن يعرف الإنسان ماذا يعني لذة الجنة، ومن ناحية أخرى فإن لذة شهوة النساء تؤدي إلى الذرية فبغيرها قد يزهد الناس في الجماع، وهذه حكمة أخرى من عند الله تعالى.

2ـ الإحساس بضآلة قيمة الطعام والشراب:

ـ الإنسان له قدرة محدودة على تناول الطعام والشراب لا يستطيع أن يستزيد منها، ولذة الطعام تقل كلما أكل الإنسان أكثر، فالجائع الذي طال جوعه إذا وجد لقمة من خبز استمتع بطعمها، والإنسان الذي شبع وامتلأت بطنه إذا أكل ألوان من اللحوم وغيرها فلن يشعر لها بطعم، كما أن الأمراض تحدث من كثرة الطعام ويصبح الإنسان محروما من بعض الأطعمة حتى يحافظ على صحته، ولا يستطيع الإنسان أن يأكل طعام كثير يكفيه ليومين مثلا ثم يبتعد عن الطعام يومين، وبالمثل لا يستطيع أن يكثر من شهوة الجماع، كما أن شهوة الطعام وشهوة الجماع تقل مع تقدم العمر، وبالمثل لا يستطيع الإنسان النوم لمدة يومين ثم الاستيقاظ لمدة يومين، وإذا أكثر الإنسان من الطعام والشراب أو الشهوات فإنه يمل، وهكذا تجد أن قدرة الإنسان محدودة ومقننة بوضع معين في الدنيا أما في الجنة فهذه القيود تزول.

ـ ولذلك فالشرع يأمرنا بألا نفرط في الاهتمام بالطعام والشراب بحيث يكون طعامنا كيفما اتفق ففي الحديث: (( ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن بحسب ابن آدم أكيلات يقمن صلبه فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه ) ) [2] ، وفي حديث آخر: (( ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن حسب الآدمي لقيمات يقمن صلبه فإن غلبت الآدمي نفسه فثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للنفس ) ) [3] ، وفي حديث آخر: (( إن أطول الناس جوعا يوم القيامة أكثرهم شبعا في الدنيا ) ) [4] ، وفي رواية أخرى: (( تجشأ [5] رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال كف عنا جشاءك فإن أكثرهم شبعا في الدنيا أطولهم جوعا يوم القيامة ) ) [6] ، كما أن الإنسان في الدنيا هو عابر سبيل، وعابر السبيل لا يهتم كثيرا بالطعام والشراب فالشخص المسافر يأكل (سندوتشات) مثلا أثناء سفره، ولا يهتم كثيرا بنوعية الطعام أو بترتيبه وإعداده، فالطعام عنده مجرد لقيمات يسد بها جوعته، ولذلك ففي الحديث: (( كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل ) ) [7] .

ـ الشيطان يزين للإنسان بأن الفارق بين الأطعمة المختلفة كبير جدا، رغم أنه من له بصيرة لا يرى فارق كبير، كما أن الشيطان يزين للإنسان أن يأكل من أجل اللذة، أما من له بصيرة فهو يأكل إذا جاع ويأكل فقط ما يسد جوعته لا أكثر.

ـ كما أن الطعام القليل والطعام الضئيل في قيمته الغذائية يقلل من الشهوة، وهذا أمر مطلوب، أما الطعام عالي القيمة الغذائية فيزيد من الشهوة.

ـ فالمعدة عبارة عن خزان يمتلئ ليفرغ ويفرغ ليمتلئ، وهذا ما يؤكده الحديث: (( ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطنه ) ) [8] فالمعدة مجرد وعاء يملأه الإنسان ليفرغ ويفرغ ليمتلئ، وهو أسوأ وعاء لأنه كلما امتلأ فرغ ما به وتحول إلى براز يحمله الإنسان في بطنه طوال ليله ونهاره ويخرج منه كأقذر شيء!.

ـ الطعام عند المؤمن هو مجرد شيء يسد الجوف غير مبالي كثيرا بنوعه ولا بكميته فالأطعمة متقاربة في عينيه وهذا يجعل شعوره بالشبع يتم بعد قليل من الطعام يسد جوفه، أما الذين يتبعون الشهوات فعندهم تزيين لحجم شهوة الطعام وقيمته ونوعه فهو يعطل الشعور بالجوع والشبع الطبيعي الذي يتم في الإنسان لكي يأخذ الإنسان ما يحتاجه فقط فيتأخر الشعور بالشبع عنده، ولذلك ففي الحديث عن أي هريرة رضي الله عنه: (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضافه ضيف كافر فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة فحلبت فشرب ثم أخرى فشربه ثم أخرى فشربه حتى شرب حلاب سبع شياه ثم أصبح من الغد فأسلم فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة فحلبت فشرب حلابها ثم أمر له بأخرى فلم يستتمها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمن يشرب في معي واحد والكافر يشرب في سبعة أمعاء ) ) [9] .

(1) البقرة: 25

(2) حديث صحيح (صحيح الترغيب والترهيب ج: 2، برقم: 2135)

(3) قال الشيخ الشيخ الألباني: حسن (سنن ابن ماجه ج: 2، ص: 1111، برقم 3349)

(4) حديث صحيح: (السلسلة الصحيحة ج: 7، برقم: 3372)

(5) هو خروج صوت من الحلق يدل على الشبع وبالعامية أي (تكرع) .

(6) قال الشيخ الألباني: حسن (ج: 4، ص: 649، برقم: 2478)

(7) السلسلة الصحيحة (1157)

(8) تحقيق الألباني صحيح: (صحيح الجامع برقم: 5674)

(9) قال الشيخ الألباني: صحيح (جامع الترمذي ج: 4، ص: 267، برقم 1819)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت