فهرس الكتاب

الصفحة 152 من 166

ذلك يرد ما في نفسه )) [1] ، يقول الإمام القرطبي رحمه الله: (( قوله:(فإن ذلك يردّ ما في نفسه) وللردّ وجهان أحدهما: أنَّ المنَّي إذا خرج؛ انكسرت الشهوة وانطفأت، فزال تعلُّق النَّفْس بالصّورة الْمَرئية، وثانيهما: أن محل الوطء والإصابة متساوٍ من النساء كلِّهن، والتفاوت إنما هو من خارج ذلك، فليُكْتَف بمحلِّ الوطء، الذي هو المقصود، ويُغْفَل عمَّا سواه، وقد دلّ على هذا ما جاء في هذا الحديث في غير"الأم"بعد قوله: (فليأت أهله) ، (فإن معها مثل الذي معها ) )) [2] .

ـ فإذا لم يأتي أهله و إذا لم يوقن أن الذي معها من المتعة مثل الذي عند زوجته من المتعة زين له الشيطان الشهوات ووقع في شهوات النساء ثم يشغل ذلك مشاعره حتى يصير عبدا للشهوات، ولأن المشاعر هي التي تحرك الإنسان للعمل، فقد يكون عمل الإنسان ومعاصيه تحت تأثير الشهوة أو متأثرا بشهواته، وذلك إلى أن يقضي شهوته، فإذا قضي شهوته أفاق واستحقر تصرفاته وعمله، ولذلك يحث الرسول (ص) الزوجة والزوج على سرعة قضاء الشهوة، ففي الحديث: (( إذا دعا الرجل زوجته لحاجته فلتأته وإن كانت على التنور ) ) [3] ، وفي حديث آخر: (( والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطا عليها حتى يرضى عنها ) ) [4] ، وفي حديث آخر: (( لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها ولا تجد امرأة حلاوة الإيمان حتى تؤدي حق زوجها ولو سألها نفسها وهي على ظهر قتب ) ) [5] ، كما يحث الإسلام على الزواج وتيسيره، فالمؤمن يعيش حياته تحت تأثير أو متأثرا بحب الله والخضوع له والخوف من الآخرة، أما الكافر فيعيش حياته تحت تأثير أو متأثرا بشهواته (وذلك مفهوم عبادة الهوى) ، وكذلك فإن حجم التزيين يكبر في الإنسان حتى إذا وقع في المعصية انطفأ ذلك التزيين واكتشف ضآلة المتعة وأنها غرور ولذلك ففي الحديث: (( إذا زنى العبد خرج منه الإيمان فكان فوق رأسه كالظلة فإذا خرج من ذلك العمل عاد إليه الإيمان ) ) [6] ، فهذا التزيين هو شعور بحب الدنيا فإذا ظل الإنسان بدون توبة يظل حب الدنيا يكبر حتى يصبح عبادة للهوى.

ـ فالعاقل لا تغره أشكال النساء ومظاهرهن الخارجية لأن كلهن متشابهات في شهوة الجماع والحديث يوضح ذلك جليا: (( ... فإن الذي معها مثل الذي معها ) ) [7] ، والجماع ما هو إلا لذة خروج المني، والإنسان له قدرة محدودة على مسألة خروج المني، فعدد مرات خروج المني متشابهة بين الأشخاص من نفس الأعمار، وإذا حاول الإنسان الاستزادة من عدد مرات الجماع قلت متعته، فهذه حقائق يعلمها الناس ولكن بطريق المعرفة النظرية ولكن الشيطان يسول لكل إنسان أنه يمكن أن يستزيد من هذه المتعة إلى مالا نهاية، كما أن المرأة القبيحة إذا تزينت وأظهرت مفاتنها فإنها تبدو كأجمل النساء فينخدع بها الجاهلين، بل إن جمال المرأة لا يزيد عن كونه تهيئة أو تقدمة لشهوة الجماع في حين أن شهوة الجماع شبه واحدة كما ذكرنا.

ـ فلابد من الشعور بطبيعة تركيب الشهوة في الإنسان حيث أنها مثل البالون تظل تكبر وتنتفخ ثم تنفجر وتنطفئ وتنتهي في لحظة كأن لم تكن، فيتعامل معها الإنسان مثل الكلب الذي يظل يجري وراءه فيشغله ويضايقه من كثرة النباح، فيلقي له بلقمة حتى يسد فمه ويبعد عنه.

ـ كما أن اللذة التي تنشأ من شهوة النساء تنشأ من أمرين هما الجماع نفسه ـ وهذا هو الأساس في حصول اللذة ـ مع وجود قدر ضئيل من العاطفة كتهيئة لهذا الجماع، ولكن الناس يضخمون هذا القدر الضئيل من العاطفة، ويعيشون حياتهم في تضخيم هذه العاطفة تحت إسم (الحب) يقصدون به تضخيم شهوة النساء وعبادة الجماع (أي يكون أكبر مشاعره متعلقة بشهوة النساء والجماع) ، فتكون قضية حب النساء هي أكبر مشاعرهم وهمومهم وأهدافهم والذي يشغل تفكيرهم وربما يكون أكثر كلامهم حول هذا الأمر، فالله جعل هذه العاطفة من الحب تجاه المرأة مطلوبة ولكن بقدر ضئيل والمقصود به مودة بين الزوجين وتهيئة قبل الجماع، وهذا كنوع من الاختبار ليرى الله هل يضخم الناس أهمية هذا القدر من العاطفة حتى يكون أكبر مشاعرهم وهمومهم وأهدافهم ـ رغم أن اللذة محدودة وتنشأ أساسا من الجماع نفسه وبقدر ضئيل من هذه العاطفة ـ أم لا؟، ومن تضخيم هذه العاطفة النظر إلى العورات والحديث حول الجماع ومقدماته وسماع الأغاني التي تضخم محبة المرأة حتى يجعلها المحبوب حياته وأنه لا يستطيع أن يعيش من غيرها وما يدور حول هذا المعنى فيتوهمون في ذلك شهوة كبيرة رغم أنها شهوة ضئيلة، وهذا التوهم نوع من الهروب لما يعرفونه في قرارة أنفسهم من أن شهوة الجماع وقدرة الإنسان عليها محدودة ولا يستطيع الإنسان أن يستزيد منها فوق ما وضعه الله من قدرة الإنسان على الجماع، وبدلا من أن يشعر الإنسان أنه لا يستطيع أن يعيش أو يتنفس بغير الخالق فهو الذي يرزقه ويمده بما يحتاجه فيحب الله تعالى، فهم يستبدلون هذا الحب بحب غير الله من النساء والمخلوقات.

(1) قال الشيخ الألباني: صحيح (جامع الترمذي ج: 5، ص: 15، برقم 2625)

(2) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم - (5/ 452، 453) للإمام القرطبي.

(3) حديث صحيح (صحيح الجامع برقم 534)

(4) تحقيق الألباني: صحيح (انظر حديث رقم: 7080 في صحيح الجامع)

(5) التخريج: حسن صحيح (صحيح الترغيب والترهيب، ج: 2، برقم: 1939) والقتب هو الرحل الذي يوضع حول سنام البعير تحت الراكب

(6) حديث صحيح (صحيح الجامع برقم 586)

(7) تحقيق الألباني: (صحيح) انظر حديث رقم: 1939 في صحيح الجامع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت