فهرس الكتاب

الصفحة 139 من 166

ـ هناك من يكون أكبر مشاعره وحياته متعلقة بمبادئ وعلوم ودراسات وقيم وقوانين وعادات تتفق مع الشرع تماما، لكنه لا يتعلق بها باعتبار أنها متوافقة مع الشرع ولكن باعتبار أنه يراها صحيحة تخدم البشرية والإنسانية والتقدم والمدنية ولما فيها من النفع والخير بدون اعتبار الشرع من أساسه فهو يقع في عبادة الهوى، وهناك من يفرحون بالتقدم العلمي مثلا وإن كان ذلك محمودا لكنه عندهم هو دينهم!!، لأن مشاعرهم وهمومهم وأهدافهم متعلقة به أكثر من تعلقها بالله والآخرة إن كان هناك أصلا شيء من تأثر مشاعرهم بالله والآخرة، فبذلك هم يعبدون التطور والتقدم العلمي والرفاهية فينظرون إلى الدين نظرة سخرية على أنه تقاليد بالية وتخلف ورجعية حتى وإن لم يقولوا بذلك فالشعور بالسخرية والاستعلاء والاستكبار على الدين هو وقوع في النفاق الأكبر: (( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أعمالهُمْ ) ) [1] ، فظنوا أن السعادة إنما هي في الدنيا ويقولون بمشاعرهم: (( إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ) ) [2] ، وفي تفسير النسفي: (( أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم عددا واشد قوة بدنا وآثارا في الأرض قصورا ومصانع، فما أغنى عنهم: ما نافية، ما كانوا يكسبون فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم يريد علمهم بأمور الدنيا ومعرفتهم بتدبيرها كما قال يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون ) ) [3] .

ـ الإنسان الطبيعي فيه ميل للمتعة والشهوة وما فيه مصلحة وسعادة له والابتعاد عن ما فيه الألم والضرر، فيكون عند الانسان خمسة مشاعر هي حب السعادة ورجاءها والخوف من ضياعها وتذليل نفسه وإخضاعها في سبيل الوصل إلى هذه السعادة، وخوف المهابة من مدى قيمة السعادة التي ينشدها فهي سعادة هائلة جدا.

ـ فإذا كان يرى المتعة في الدنيا تعلقت مشاعره بشهوات الدنيا، وإذا كان يرى المتعة في الجنة وأن متع الدنيا ضئيلة جدا تعلقت مشاعره بشهوات الجنة.

ـ إذن فأي إنسان خلقه الله خلق فيه حب الشهوة، فكل إنسان شهوانيا سواء المؤمن والكافر، فالمؤمن شهوانيا تتجه شهوته لمتع الجنة، والكافر شهوانيا تتجه شهوته لمتع الدنيا، فالنفس مجبولة على حب الشهوات والسعادة وما فيه الراحة واللذة وتكره ما فيه الألم.

ـ فالإنسان يحب متع النساء والخمور والقصور ويعيش لذلك، فمن الناس من يرى أن هذه المتع في الدنيا فيعيش لها، فهو الكافر أو المنافق، أما المؤمن يرى أن هذه المتع في الجنة فيعيش لها وقلبه يشتاق إلى نساء الحور العين وجمالهن وحلاوة جماعهن ولذة الخمور وفخامة القصور.

ـ فالإنسان يعيش من أجل مثلث السعادة، وهي شهوة المظاهر وشهوة المال وشهوة النساء والطعام والشراب، فمنهم من يريد ذلك في الدنيا، لأنه يرى أن مثلث السعادة في الدنيا، فيعيشون في صراع من اجل مثلث السعادة، ومنهم من يريد ذلك في الجنة، لأنه يرى أن مثلث السعادة في الجنة.

ـ وهنا ينكشف اليقين الحقيقي بالجنة والغيبيات، فالذي يعبد الهوى هو في حقيقته يقول بمشاعره أن الجنة والغيبيات أساطير الأولين وحواديت الشاطر حسن!، وإن موقنا بالجنة والغيبيات يقينا نظريا تاما، فالحور العين بالنسبة له كأنها نساء خيالية وليست نساء حقيقية فيها لذة أمتع من كل نساء العالم! فلو كان موقنا بها حقا لعاش من أجل الوصول إلها وزهد في نساء الطين!.

ـ فمن لم يجد في نفسه شيئا ولو يسيرا من اللذة في حب الحور العين واللذة في حب الله واللذة في الإشتياق إلى النظر إلى وجه الله الكريم فهو يغالط نفسه بالإيمان وليس بمؤمن.

ـ وبالتالي فكل إنسان يعمل من أجل الشهوات ويبيع نفسه لها: (( ... كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا ) ) [4] ، فإما أن يعبد الشهوات أو يعبد الله.

ـ وكذلك الحال في الابتعاد عن الألم، فكل آلام الدنيا ومشاكلها وهمومها ليست بشيء أمام ألم النار يوم القيامة، فمن كان يشعر بألم الكراهية والضيق لآلام الدنيا ومشاكلها وهمومها وخطورتها ولا يشعر بألم الكراهية والضيق والاشمئزاز لآلام النار في الآخرة (خوف المهابة من شدة النار) فذلك لأن النار في مشاعره خيال وأساطير الأولين!.

ـ فكل إنسان له إله يعبده وله عبادة ودين بدليل أن الله سبحانه خاطب المشركين من قريش بقوله تعالي: (( لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ) ) [5] ، فقد سمي ما عليه المشركين بكلمة (دين) ، ومن لا يعبد الله، فهوْ يعبد الشهوة: (( فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ

(1) محمد: 9

(2) المؤمنون: 37

(3) تفسير النسفي: (ج: 4، ص: 82)

(4) تحقيق الألباني: صحيح (انظر حديث رقم: 925 في صحيح الجامع)

(5) الكافرون: 6

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت