في معاني القرب من محبوبهم، وهذه المبالغة الشديدة إنما تجب أن تكون لله تعالي، والعكس فإن الكلمات والمعاني الدينية التي تستخدم للتقرب إلى الله فإنك تجد أهل الغناء يستخدمون معاني قريبة أو شبيهة أو حتى نفس الكلمات في التقرب إلى المحبوب وهذا يجب أن يكون لله تعالى، فإن الشعراء وأهل الغناء ذاقوا طعم الحب، ولكن للأسف الحب للنساء، ولابد أن يكون نفس هذا الحب، بل أشد منه لله تعالى، وهذا معنى قوله تعالى: (( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ) ) [1] ، (( إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) ) [2] .
ـ الحالة النفسية للحب والشوق والرغبة:
ـ الحب صورة من صور الشعور باللذة، فإذا لم يشعر الإنسان باللذة فهو لا يحب، فالحب عبارة عن متعة ولذة، فمن لم يجد في محبة الله متعة ولذة فهو لا يحب الله تعالى.
ـ كثيرا من الناس يدعون حب الله وحب الجنة فإن الذي يحب شخصا فإنه يحب أن يذهب إليه ويتحدث معه فهل تجد في نفسك الشوق إلى لقاء الله والشوق إلى النظر إلى وجه الله الكريم في جنات النعيم، ومن أدعية الرسول (ص) : (( اللهم وأسألك لذة العيش بعد الموت ولذة النظر إلى وجهك وشوقا إلى لقاك ) ) [3] .
ـ وكثيرا من الناس يدعون حب الجنة والشوق إلى الحور العين فهل عندك نفس الحالة النفسية التي عند محب يشتاق إلى محبوبته؟ إذن فالحور العين لا وجود لها في مشاعرك، إنما فقط هي في الاقتناع النظري وليست في الشعور كأنها مصنوعة من البلاستيك وليست نساء جميلات.
ـ إن الذي يدعي حب الله أو حب الجنة ولا يشعر بالحالة النفسية التي يشعر بها المحبين في الدنيا فليس بمحب، فالمشاعر ليست شيئا هلاميا وهميا ولكنها حالة نفسية وحالة عاطفية ومزاجية موجودة في النفس، فحب الله هو من جنس الحب الموجود في الدنيا، لأنه إذا لم يكن حب الله من نفس جنس الحب الذي يعرفه الإنسان فالله يخاطبنا بلغة لا نفهمها.
ـ مقدار الحب:
ـ إذا زاد حبك لشخص لدرجة أنك تطيعه فأنت فعلا تحبه، كذلك إذا وصل حبك لله إلى درجة أنك تطيعه حبا له فهذا هو الحب المطلوب وذلك من قوله تعالى (( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) ) [4] ، فحب الله يؤدي إلى الخضوع له حبا، فيؤدي ذلك الخضوع إلى الطاعة، وليس القضية الأساسية الطاعة وإنما الطاعة الناشئة عن حبك لله أي تطيعه لأنك تحبه، فمن أثر حبك للقرآن فإنك تتلوه وتحفظه، ومن أثر حبك لله والرسول فانك تتبعه، فمقدار الحب هو أن يصل إلى درجة الانقياد، فالذي يحب المال ينقاد له والذي يحب امرأة ينقاد لها، والذي يحب الدنيا ينقاد لها، كذلك فالذي يحب الله ينقاد له ويخضع له، فالحب يلازم الخضوع والانقياد، ودرجة الحب هو أن يصل إلى درجة الخضوع، فالذي يملا قلبك حبه فأنت أسيرا لحبه، فهو قد سيطر علي مشاعرك، أي أصبحت مشاعرك خاضعة له، فالحب يؤدي إلى الخضوع للمحبوب، فأنت تخضع حبا أو من حبك له، كمَنْ يحب امرأة إلى درجة أن يخضع لها، والله يريد أن تخضع له وتركع عن حب وتعظيم ولا يريد أن تخضع له عن قهر ولو أراد ذلك لفعل سبحانه.
ـ حب الجنة:
ـ عندما يسمع الإنسان أن هناك شيئا فيه ألوان هائلة من المتع، فإنه يحب ذلك الشيء، فالجنة فيها كل ألوان المتع والملذات فإذا لم تشعر بلذة الحب للجنة، فهذا معناه أن اليقين الحقيقي بوجود الجنة غير موجود.
ـ لكي تتحقق هذه المشاعر لابد أولا أن تتحقق المشاعر الغير مرتبطة بالثواب والعقاب، ونوضح ذلك كالتالي:
ـ لكي يتحقق الخوف من دخول النار لابد أن يتحقق أولا الكراهية والخوف من مهابة النار (اليقين الحقيقي بحقيقة النار وما بها من ألم) .
ـ ولكي يتحقق الرجاء في دخول الجنة لابد أن يتحقق أولا الحب لما في الجنة من لذات (اليقين الحقيقي بحقيقة الجنة وما بها من لذات) .
ـ ولكي يتحقق الخوف من عقاب الله لابد أن يتحقق أولا الخوف من مهابة الله (اليقين الحقيقي بمدى قدرة الله) .
(1) البقرة: من الآية 165
(2) الشعراء: 98
(3) حديث صحيح (ظلال الجنة ج: 1، برقم 424)
(4) آل عمران:31