فهرس الكتاب

الصفحة 126 من 166

3ـ حب الإعجاب بمدى قدرة الله وعلمه وصفاته:

ـ الناس يحبون من يحقق رقما قياسيا في بطولة رياضية مثلا لأنه بلغ قدرة كبيره وينظرون إليه نظرة إعجاب بقدرته وحب له.

ـ فالصفات لها درجات، فالقوة لها درجات والعلم له درجات وهكذا، وصفات الله تصل إلى درجة الكمال، فقوة الله هائلة جدا لا توصف وكذلك علمه وكل صفاته، فصفات الله سبحانه ليست مجرد صفات موجودة ولكنها تصل إلى حد الكمال من العظمة بحيث تجعلك يجعلك تحير وتندهش وتتعجب وتعجب وتنبهر وتذهل من مدى عظمة الخالق وقدرته سبحانه، وهذا هو معنى كلمة (إله) في اللغة، ففي تاج العروس: (( وفي حدِيثِ وهب بنِ الوَرْدِ:(إذا وَقَعَ العَبْدُ في *! أُلْهانِيَّةِ الرَّبِّ، ومُهَيْمِنِيَّة الصِّدِّيقِيْن ورَهْبَانِيَّةِ الأبْرارِ لم يَجِدْ أَحَدًا يَاخُذ بقَلْبِه) ، أَي لم يَجِدْ أَحَدًا يَعجبُه ولم يُحِبَّ إلاَّ اللَّهَ سبحانه، قالَ ابنُ الأثيرِ: هو فُعْلانِيَّة مِن ألِهَ يَالَهُ إذا تَحَيَّرَ، يُريدُ إذا وَقَعَ العَبْدُ في عَظَمَةِ اللَّهِ وجَلالِهِ وغيرِ ذلِكَ مِن صفَاتِ الرُّبُوبيَّةِ وصَرَفَ توهّمُه إليها، أَبْغَضَ الناسَ حتى ما يميلَ قلْبُه إلى أَحَدٍ )) [1] .

ـ وهذا يجعل مشاعرك تتعلق به حبا وخضوعا وخوفا ورجاءا لدرجة أنك لا تستطيع أن تقطع مشاعرك وهمومك وأهدافك عنه، لأنك لو قطعت مشاعرك وهمومك وأهدافك عنه تهلك، فهذا هو الوله (مأخوذ من كلمة"إله") مثل قولك (العاشق الولهان) أي الذي لا يستطيع أن يقطع حبه ومشاعره وأهدافه عن محبوبه فلا يستطيع أن يعيش إذا ابتعد عن محبوبه.

ـ"الوله"يدل على الحب والفرح بالمحبوب لدرجة أنه إذا ابتعد عنك تتحير ويذهب عقلك وتحزن حزنا شديدا، وهذا التحير والحزن هو الوله: (( الوَلَهُ: ذهابُ العَقل والفُؤاد من فُقْدانِ حبيب، يقال: وَلِهَت تَوْلَهُ وَتَلِهُ، وهي والهةٌ ووَالِه. وكل انثى فارقت وَلَدَهَا فهي والِهٌ ) ) [2] ، (((وله) الوَلَهُ الحزن وقيل هو ذهاب العقل والتحير من شدّة الوجد أَو الحزن أَو الخوف والوَلَهُ ذهاب العقل لفِقْدانِ الحبيب )) [3] .

ـ فالمحب يفرح ويطمئن ويشعر بالأنس بلقاء محبوبه أو رؤيته أو ذكره والحديث عنه أو يفخر بالإنتساب إليه، فكل ذلك صور للقرب من محبوبه، ويشعر بالغربة والحيرة والحزن عندما لا تحدث هذه الأمور، أي عند البعد عن محبوبه، فكذلك المؤمن يفرح ويطمئن ويشعر بالأنس بلقاء الله أو رؤيته يوم القيامة أو ذكره والحديث عنه أو يفخر بالإنتساب إليه بأن يعمل عبدا له، فأفضل لقب يحصل عليه الإنسان هو أن يكون عبدا لله تعالى، فكل ذلك صور للقرب من محبوبه، ويشعر بالغربة والحيرة والحزن عندما لا تحدث هذه الأمور، أي عند البعد عن محبوبه: (( الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) ) [4] .

4ـ حب الله تعالى لإنعامه:

ـ النعم أمانة أو عارية يستردها صاحبها وهو الله سبحانه في أي وقت شاء، لذلك فأنت تحب الله لما أعطاك ولا تكرهه لما سلب منك لأنه أعطاك أمانة تمتعت بها فترة من الزمن بغير استحقاق منك، فأنت تحبه لما استفدت به من هذه النعمة خلال هذه الفترة.

ـ فالله ينعم عليك ويتودد إليك فلماذا لا تشعر بحبه؟ فلو أن رجلا أعطاك مالا وبيتا ومرتبا شهريا وزوجك وتكفل برعايتك وتودد إليك (فهو الودود) فلماذا لا تحبه؟، فيجب عليك أولا أن تشعر بالتجرد والاحتياج إلى النعم وأنك لم تأتي بالنعم من كدك أو تعبك وأنها ليست ملكا لك وأنك في أمس الحاجة إليها، ثم تتصور أن أحدا يعطيك هذه اللقمة التي تأكلها عن جوع واحتياج وبدون ثمن ولا مقابل فتحبه، وكذلك تصور أن أحدا يعطيك ما تلبس وما تملك من عنده وبلا مقابل، إنك عندئذ تشعر بالحب له، أما إذا كنت تتصور أن ما عندك إنما هو من كدك وتعبك وأنه ملك لك أو أن أحدا أعطاك حقا لك وواجبا عليه وهو ملك لك فلن تشعر بالحب لله.

ـ وتصور أنك تقابلت مع شخص هو الذي كان قد أنفق عليك ورعاك طوال سنوات عمرك منذ أن كنت رضيعا وأعطاك السكن الذي تسكن فيه وكل شيء فبماذا تشعر؟، ولماذا لا تجد مثل هذا الشعور والله هو المالك لكل شيء المنعم عليك وأنت بين يديه ولا تغيب عنه طول وقتك.

ـ إذن عندما تتجرد من النعم وتنسب كل النعم إلى الله تعالى يحدث لك مشاعر هي: الخضوع والانقياد وأنك عاري لا تملك شيئا ولا سمعا ولا بصرا، والحب لله لأن هذه النعم عندك تتمتع بها، إذن قد أًعْطِيَتْ لك مقصودة لك فتحبه، وتتوكل على الله لأنك عاري لا تستطيع عمل شيء ولا تملك شيء فتعتمد على الله ليعطيك.

5ـ حب الله لأنه الواحد:

ـ توحيد الله يؤدي إلى حبه لأن العبد عندئذ لا يخاف إلا من الله ولا يرجو إلا الله ولا يذل لغيره، وفي ذلك راحة وسعادة: (( ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ) ) [5] .

6ـ حب الله لأنه الوكيل:

ـ فالله يتكفل بما يحتاجه العبد، فيتوكل العبد على الله وفي ذلك راحة وسعادة.

7ـ حب الله لأنه تواب غفور رحيم ودود فيتوب على من أذنب ويغفر له ويتودد إلى عباده، فأنت إذا أخطأت في حق ملك من ملوك الدنيا وخالفت أمره فقد يبطش بك ولكن الله يظل يغفر لك طالما أنك تتوب مهما كثرت الذنوب، فذلك يؤدي بالضرورة إلى محبته.

8ـ حب الله لأنه الهادي، والله يعرف الإنسان بطريق الهداية ويعينه عليه ويحب له الخير وأرسل إليه الرسل ليرشده إلى ما فيه نجاته وسعادته.

9ـ حب الله لأنه يجيب الدعاء، فكلما احتجت إلى أي شيء دعوته فوجدته في أي وقت، إن الله عنده القوة التي تحميك وعنده كل ما تريد وتطلب في الدنيا والآخرة.

10ـ حب الله لأنه يريد للإنسان الخير، وما يحدث للإنسان من ابتلاءات هو خيرا له لكي يفيق من غفلته، كما أن الابتلاءات والمصائب فيها تكفير للذنوب، وفي الحديث: (( يَوَدُّ أَهْلُ الْعَافِيَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يُعْطَى أَهْلُ الْبَلاَءِ الثَّوَابَ لَوْ أَنَّ جُلُودَهُمْ كَانَتْ قُرِضَتْ في الدُّنْيَا بِالْمَقَارِيضِ ) ) [6] .

11ـ حب الله لأنه يعطي الحسنة بعشر أمثالها والسيئة بمثلها فقط.

ـ معنى الحب:

ـ الحب هو أحلى وألذ ما يشعر به القلب، ونحن في زمان كثر فيه الكلام عن الحب حتى أمتهنت كلمة الحب، فلا تحتاج إلى أن أذكر لك فوائد ومزايا وجمال ولذة ومتعة الحب لأنهم وصفوا ذلك وصفا مبالغا فيه بالباطل إلا أننا نتحدث عنه بالحق، فالقلب لم ينبض بحب حق إلا حب الله تعالى.

ـ فالحب هو الإحساس بالراحة والميل والإعجاب والسعادة والطمأنينة والسكينة بالشيء لما فيه من صفات جميلة وما يعود علي الإنسان من الخير منه، فإذا كنت تشعر بهذا الشعور تجاه الله فأنت تحب الله، وهل تشعر بحبه وأنت ذاهب إلى لقاء الله في الصلاة؟.

ـ فإن الذي يحب امرأة فإنه يشعر بالميل إليها، لذلك فالحب هو الميل إلى المحبوب وهذا معني كلمة حنيف (( حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ ) ) [7] ، وإن الذي يحب امرأة فإنه يشعر بالشوق إليها، لذلك فالحب هو الشوق إلى لقاء المحبوب، فمن أدعية الرسول (ص) : (( اللهم وأسألك لذة العيش بعد الموت ولذة النظر إلى وجهك وشوقا إلى لقاك ) ) [8] ، وإن الذي يحب امرأة ينشغل باله وفكره بها، فالحب هو هيجان القلب عند ذكر المحبوب: (( إنما الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ) ) [9] ، (( الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ) ) [10] ، وإن الذي يحب امرأة يشعر بالراحة والسعادة عند ذكر المحبوب، فالحب هو سكون القلب إلى المحبوب: (( الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) ) [11] .

ـ إن الله تعالى يقول: (( قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) ) [12] ، وأنت تسمع من كلام الحب للعشاق في الغناء وفي الشعر ما معناه: إن كل أعمالي وكل حياتي وروحي ومماتي للمحبوب، وهذا هو ملخص معظم الأغاني والأشعار، وهذا لا يكون إلا لله، لأن هذا الكلام يفيد أن كل مشاعري وكل ما يشغل بالي وكل أهدافي هي المحبوب، فخطورة أغني العشاق أن فيها تعظيم لحب غير الله ففي ذلك صرف عن حب الله كما أن فيها تلهي وتشاغل عن الله، وهذا يعني أن كلام الحب للعشاق لابد أن يتحول إلى الله بشرط تعديله بحيث يليق ويتناسب مع الله سبحانه، وبشرط إزالة الكلمات والمعاني التي تتناسب مع الطين (الإنسان) لأنك تتعامل مع الله سبحانه، وإنك تجد أن أهل الغناء والشعراء كثيرا ما يبالغون مبالغة شديدة

(1) تاج العروس من جواهر القاموس - (36/ 322)

(2) العين: (ج 1 / ص 281)

(3) لسان العرب - (ج 13 / ص 561)

(4) الرعد: 28

(5) الزمر: 29

(6) قال الشيخ الألباني: حسن (جامع الترمذي ج: 4، ص: 603، برقم 2402)

(7) الحج: من الآية 31

(8) حديث صحيح (ظلال الجنة ج: 1، برقم 424)

(9) الأنفال: من الآية 2

(10) الحج: من الآية 35

(11) الرعد: 28

(12) الأنعام:162

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت