فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 166

ـ فضآلة الدنيا وضعف الإنسان هي معلومات غير مؤثرة لأن الشيء الضئيل أو الضعيف ليس له قيمة أو أهمية، وهذا يؤدي إلى عدم تأثر مشاعر الإنسان بالدنيا أو بنفسه، لأن نفسه ذات قيمة ضئيلة لا حول لها ولا قوة، وهذا معناه الشعور بالخضوع والشعور بالتوكل.

ـ فكل الناس يعرفون أن الدنيا وما فيها إلى زوال، وأن كل ما فيها من متع فهي ضئيلة ومؤقتة (( مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ ) ) [1] ، وأن السعادة لا تحقق بالمال ولا بالجاه، وأن الإنسان مخلوق ضعيف لأنه نشأ من نطفة لا حول لها ولا قوة ثم طفل ضعيف ثم فترة شباب صغيرة ثم ضعف الشيخوخة ثم الوفاة ومفارقة الأحباب والملذات وكل شيء، كما أنه ضعيف القدرات أمام خلق السماوات والأرض، وجميع الناس يعرفون ذلك تماما ويوقنون بذلك تماما، لكن ذلك اليقين عند البعض لا يزيد عن أنه يقين نظري فقط، أما اليقين الحقيقي عندهم هو عكس ذلك تماما، فاليقين الحقيقي الذي في شعورهم ومشاعرهم والذي يظهر أثره عليهم هو أن المال والجاه والشهوات والدنيا ذات قيمة كبيرة وعظيمة في نظرهم ومشاعرهم، وأنهم خالدين فيها، وأن كل ما فيها من متع فهي كبيرة ودائمة، وأن السعادة تحقق بالمال والجاه، وأن الإنسان مخلوق قوي حر، فالإحساس بالقيمة غائب عندهم.

ـ قال تعالى: (( اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ) ) [2] ، فالدنيا لها زينة خادعة تجعل الزراع يعجبون بها ثم لا تلبث أن تكون حطاما، وفي الحديث: (( إن مطعم ابن آدم قد ضرب للدنيا مثلا فانظر ما يخرج من ابن آدم ـ وإن قزَّحه وملحه ـ قد علم إلى ما يصير ) ) [3] فالدنيا مثل الطعام يبدو لذيذا وشهيا في البداية لكنه يتحول إلى براز، فظاهر الدنيا أنها حلوة خضرة وحقيقتها أنها مثل البراز.

ـ والدنيا مثل النار، والناس مثل الفراش، والنار تبدو مضيئة جميلة فيقترب منها الفراش حتى يقعوا فيها فيموتوا، والرسول (ص) يشد الناس بعيدا عنها وينذرهم وهم يقعون فيها، ففي الحديث: (( مثلي كمثل رجل استوقد نارا فلما أضاءت ما حولها جعل الفراش وهذه الدواب التي يقعن في النار يقعن فيها وجعل يحجزهن ويغلبنه فيقتحمن فيها فذلك مثلي ومثلكم أنا آخذ بحجزكم عن النار هلم عن النار هلم عن النار فتغلبوني فتقتحمون فيها ) ) [4] .

ـ فالدنيا في ظاهرها حلوة لكنها حقيقتها لا تساوى سيئا، ففي الحديث: (( لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء ) ) [5] ، وفي حديث آخر: (( ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بم يرجع ) ) [6] .

ـ فالشهوات ضئيلة القيمة ولكنها مغلفة بغلاف خادع يجعلها تبدو أنها عظيمة القيمة جدا وبذلك تجذب الناس لها فيقعون فيها وحينئذ لا يجدو غير متع ضئيلة القيمة، فلابد أن تصل درجة الإحساس بالقيمة من القوة بحيث أنها تكشف حقيقة هذا الخداع، ولابد أن يكون هذا الإحساس بالقيمة من القوة بحيث يؤدي إلى أثره على خوف المهابة والحب وخوف العقاب ورجاء الثواب والخضوع.

4 ـ معلومات ذات قيمة عظيمة وتبدو كأنها لا قيمة لها:

ـ وذلك مثل عظمة قيمة وخطورة الغيبيات، فالغيبيات مثل قطعة من الذهب موضوعة داخل كومة من القش، فالغيبيات هي أمور لا نراها، فالأمر يبدو كأنه ليس ذو قيمة، والمطلوب هو الإحساس بمدى قيمتها لأنها كنز عظيم ينبغي الوصول إليه، أو هي قنبلة داخل كومة قش، فالأمر يبدو كأنه ليس ذو قيمة فينبغي الاهتمام لها حتى يتجنب عاقبتها.

ـ فمعرفة وجود الله ومدى قدرته وعظمته، ومعرفة وجود الآخرة ومدي خطورتها وما فيها من أهوال وأنها المستقبل والمصير هي معلومات خطير جدا، وجميع الناس يعرفون ذلك تماما ويوقنون بذلك تماما، لكن ذلك اليقين عند البعض لا يزيد عن أنه يقين نظري فقط.

ـ أولا: عند الإنسان الحي، فإنه يتعامل مع المعلومة كالتالي:

1 ـ المرحلة الأولى: ما قبل وصول المعلومة (مرحلة التزيين) :

(1) النحل: من الآية 96

(2) الحديد: 20

(3) التخريج: صحيح (السلسلة الصحيحة: ج: 1، ص: 731، برقم 382) ، وقزَّحه أي وضع عليه التوابل.

(4) تحقيق الألباني: صحيح (انظر حديث رقم: 5858 في صحيح الجامع)

(5) حديث صحيح (صحيح الترغيب والترهيب برقم 3240)

(6) حديث صحيح (رواه مسلم ـ برقم 5156)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت