فهرس الكتاب

الصفحة 157 من 166

يكون الإنسان مقتنعا نظريا بأن السعادة ليست في المال رغم أن كل فرحه وحزنه وهمه وأهدافه متعلقة بالمال، ومن أثر ذلك أن يكون كل سعيه للمال.

ـ إن الدنيا ليست بشيء، ولو كانت الدنيا ـ يا عباد الله ـ ذهبًا يفنى والآخرة خزفًا يبقى لكان العاقل اللبيب هو من يفضل الخزف الباقي على الذهب الفاني، فكيف والدنيا خزف يفنى والآخرة ذهب يبقى؟!، كيف يفضل الخزف الفاني على الذهب الباقي يا عباد الله؟! كيف نتهالك على الدنيا ونحن راحلون عنها؟!، ذلك لأن الإحساس بخطورة الآخرة غير موجود عندنا.

ـ فالدنيا أشبه بحلم في المنام ثم يفيق منه الإنسان، (( عن يونس بن عبيد، قال: ما شبهت الدنيا إلا كرجل نام فرأى في منامه ما يكره وما يحب، فبينما هو كذلك إذ انتبه ... قيل لبعض الحكماء: أي شيء أشبه بالدنيا؟ قال: «أحلام النائم» ) ) [1]

ـ ولقد أحسن من قال: ... إنّ لله عبادًا فطنا طلّقوا الدّنيا وخافوا الفتنا

نظروا فيها فلمّا علموا أنّها ليست لحيٍّ وطنا

جعلوها لجّةً واتّخذوا صالح الأعمال فيها سفنا

ـ إذا لم تكن توقن بأن المال ذو قيمة ضئيلة وكذلك الشهوات والمظاهر وما في الدنيا من خلق وأمور مادية ومعنوية فلست بمؤمن، لأن اليقين بأنه لا إله إلا الله يتضمن اليقين بعظمة الله واليقين بضآلة ما سواه من الدنيا والخلق والأعمال الدنيوية من أمور الكسب ومشاغل الحياة.

ـ واليقين بضآلة قيمة المال والشهوات معناه أن تكون نظرة الإنسان إليها أنها ضئيلة، أي إحساسه بقيمتها في نظره أنها ضئيلة، وينشأ عن ذلك أن تكون أكبر مشاعره متعلقة بالله وليس بهذه الشهوات، فإذا تعلق قلب الإنسان بالمال أو الشهوات أو الأعمال الدنيوية تعلقا عظيما فكانت أكبر مشاعره متعلقة بذلك فهذا وقوع في عبادة الهوى والنفاق الأكبر.

ـ الفصل السابع: العلاقة بين الإحساس بالقيمة والعمل

ـ الابتلاءات والعمل يبرهن على حقيقة ما في القلب من مشاعر، فمثلا نشبه حب الله بالقوة الجسدية التي عند الإنسان، وهناك ثلاثة مطلوب من كل واحد منهم أن يدفع بشدة أحد الأبواب المغلقة بالقفل مثلا، فالأول كان إنسانا مغمى عليه أو سكرانا ليس لديه أي قوة فلن يستطيع أن يفعل شيء، والثاني لديه قوة ويدعي أنه يستطيع أن يدفع الباب ويدخل ولكن قوته ضعيفة، فلم يستطع فتح الباب رغم أنه حاول بشدة، والثالث كان قويا فدفع الباب وفتحه ودخل، فالأول لم يكن عنده أي قدر من حب الله، والثاني كان عنده حب لله لكن لم تصل قوة حبه لله لتكون أكبر المحاب، والثالث كان عنده حب لله أكبر من أي شيء آخر، والباب هو الابتلاءات أو العمل الذي يبرهن به الإنسان على حقيقة مشاعره، وبدون وجود الباب سيظل الإنسان الثاني الذي عنده حب لله ضعيف يدعي الإيمان ويسير في طريق الإيمان، لكنه ينكشف عند وجود الباب مغلقا أمامه فلا يستطيع الدخول فينكشف أمام نفسه ويعلم ذلك لكنه يتجاهل الأمر: (( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخرة ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ) ) [2] ، لذلك لكي يدخل الإنسان الجنة لابد أن يصل قدر ما عنده من المشاعر المتعلقة بالله والآخرة إلى الدرجة التي يصبح بها موقنا مؤمنا.

ـ فالإنسان الذي عنده حب لله ولكن حبه لغيره أكبر فهو في حقيقته يشك في وجود الله والآخرة لأنه لو أحس بقدر الله لأحبه بكل قلبه، وذلك رغم اليقين النظري التام بالله والآخرة، فهذا نفاق أكبر وهو منافق متردد مذبذب، وإذا لم يكن عنده أصلا شيئا من حب الله تعالى فهو في حقيقته غير موقنا بوجود الله والآخرة، رغم اليقين النظري التام بالله والآخرة، فهذا نفاق أكبر وهو منافق نفاق أكبر خالص.

(1) الزهد - (ج 1 / ص 22، 23)

(2) الحج: 11

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت