فهرس الكتاب

الصفحة 158 من 166

ـ إن الاختبار الذي خلقنا من أجله في الدنيا هو أن نأتي الله بقلب سليم وننجح في اختبار العمل كبرهان على سلامة القلب، فنلقى الله بقلب سليم من عبادة الهوى وسليم بخوف المهابة من الله الناشئ من اليقين الحقيقي: (( وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى، فإن الْجَنَّةَ هِيَ الْمَاوَى ) ) [1] .

ـ أعمال الإنسان من المعاصي والطاعات تبرهن على حقيقة يقينه، وبخاصة عند الابتلاءات، والدنيا دار اختبار وكل شيء موضوع فيها للاختبار، فالمال فتنة وشهوة النساء فتنة، وشهوة الطعام والشراب فتنة، والأولاد فتنة: (( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ) ) [2] ، بل إن كل شيء فتنة سواء كان خيرا أو شرا: (( وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ) ) [3] ، (( فَإِذَا مَسَّ الْإنسان ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) ) [4] .

ـ فكل الناس يدعون اليقين والإيمان ويدعون أنهم يحبون الله ويرجونه ويخافونه ويخضعون له ويتوكلون عليه، إذن لابد من برهان عملي على ذلك، لابد أن يبرهن الإنسان عمليا على أنه من الموقنين وليس من الذين يعبدون الهوى، فلابد من امتحان يثبت كذب الكاذب وصدق الصادق، وهذا الامتحان قد يكون بالابتلاء بالشر أو بالخير: (( وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ) ) [5] ، فمثلا ييسر الله للإنسان الشهوات ليرى هل يقع فيها ويكون حبه لها أكبر أم يبتعد عنها رغم ما بها من إغراء: (( أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ(2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ )) [6] ، (( وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ ) ) [7] .

ـ فمثلا الشهوات قد تكون ميسرة في هذا الزمان كالنظر إلى العورات على القنوات الفضائية وعلى الإنترنت وفي التلفاز، وذلك ابتلاء لأهل هذا الزمان ليرى الله من ينجح في هذا الاختبار من الذي يرسب فيه، فالذي يدعي اليقين والحب والخوف والخضوع وليس في قلبه شيء من ذلك فإنه سوف يرسب في الامتحان ويقع في النظر إلى العورات ويدمن لينكشف أمام نفسه ويبرهن على غياب الإيمان من قلبه وأنه يعبد الهوى.

ـ كذلك من كان يقينه ضعيف فقد يرسب في الامتحان ليبرهن على ضعف يقينه ويخاف من أنه قد يزول.

ـ فالابتلاء قد يجعل الإنسان يفيق وينجح في الاختبار، وقد يرسب فيه ويزداد نفاقا إلى نفاقه.

ـ وهذا كله بين الإنسان وبين نفسه، ولكن بين الإنسان وبين غيره من الناس فمهما وقع الإنسان في الذنوب ورسب في اختبارات الابتلاء فهو مؤمن، لأن المعاصي تنشأ من ضعف اليقين أو من غياب اليقين، والإنسان يعلم ذلك في نفسه فقط ولكن قد يغالط نفسه ويتجاهل الأمر لكنه يعلم وجود أو عدم وجود اليقين في قلبه.

ـ ملحوظة:

ـ سبق أن أوضحنا أنه إذا تحقق الإحساس بالقيمة تحقق اليقين الحقيقي، وينشأ عن ذلك العمل، لذلك فالعلاقة بين الإحساس بالقيمة والعمل هى نفسها العلاقة بين اليقين الحقيقي والعمل.

ـ الاختبار هو أن يبرهن الإنسان بعمله على أنه يعبد الله ولا يعبد الهوى:

ـ هناك إلهان لا ثالث لهما، هما إله بالحق وهو الله، وإله بالباطل وهو الهوى، ولكل منهما أوامر، وأوامر كل منهما تضاد الآخر، فالإنسان إما أن يتبع أوامر الله ويسير ضد أوامر الهوى أو يتبع أوامر الهوى ويسير ضد أوامر الله.

ـ ولكل من الإلهان أعمال، فمن أعمال عبادة الهوى النظر إلى العاريات والزنا والإسراف في الانشغال بتحصيل المال والطعام والشراب والمظهر، ومن أعمال عبادة الله الصلاة والذكر والصيام وقراءة القرآن ... الخ، والإنسان أمامه طريقان لا ثالث لهما إما أن يسير في طريق عبادة الله ويكون عمله من أعمال عبادة الله ويترك عبادة الهوى وأعمال عبادة الهوى، وإما أن يترك عبادة الله وأعمال عبادة الله ويعبد الشهوة ويكون عمله من أعمال عبادة الهوى، ومن الناس من يخلط بينهما.

ـ فإذا كان الإنسان يسير في اتجاه عبادة الهوى أو يعمل أعمالا من أعمالها فإن الله يدفعه في هذا الاتجاه حتى يصل لعبادة الهوى ويترك عبادة الله، والذي يسير في اتجاه عبادة الله أو يعمل أعمالا من أعمالها فإن الله يدفعه في هذا الاتجاه حتى يصل لعبادة الله ويترك عبادة الهوى.

(1) النازعات: 40، 41

(2) الأنفال: 28

(3) الأنبياء: 35

(4) الزمر: 49

(5) الأنبياء: 35

(6) العنكبوت: من الآية 3

(7) العنكبوت: 11

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت