ـ وفي المقابل فالشعور بأن الدنيا والأسباب تنفع وتضر فذلك يؤدي إلى الشعور بالهم والقلق والكدر لأنه عندئذ يحسب لكل شيء ألف حساب وعنده طول أمل في تحقيق أمر دنيوى هنا وآخر هناك ويزداد التفكير والهم بأمور الدنيا، فهو يتدبر ويتفكر ويستذكر ويحلل ويناقش في أمور الدنيا التي هي صلة الناس بالناس وصلة الناس بالأشياء من حولهم، لكنه لا يتدبر صلة الناس بالخالق فلا يتفكر في الغيبيات.
ـ فتعلق المشاعر بالدنيا يؤدي إلى الانفعال والغضب على الدنيا والخوف من الموت والخوف على الصحة والخوف من ضياع المال وكل ذلك يؤثر سلبا على الحالة النفسية للفرد وقد يؤدي به إلى إصابته بالأمراض كضغط الدم والسكر .... الخ، كما يجعله في داخله تعيس غير سعيد قلق دائما على الدنيا، أما المؤمن فهو واثق بربه لا يحمل هم أي شيء في الدنيا.
ـ التوكل على الله فيه راحة كبيرة لأنه لا يخاف على الرزق ويعتمد على الله في تدبير أموره.
ـ إن الذي لا تتعلق مشاعره بالدنيا والناس فلا يهمه سخط الناس أو رضاهم فيريحه الله من هم الناس ومؤونة الناس ففي الحديث: (( مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا هَمَّ آخِرَتِهِ كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ دُنْيَاهُ وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الْهُمُومُ في أَحْوَالِ الدُّنْيَا لَمْ يُبَالِ اللَّهُ في أَىِّ أَوْدِيَتِهَا هَلَكَ ) ) [1] ، وفي حديث آخر (( مَنْ كانت الآخرة هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ في قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِىَ رَاغِمَةٌ وَمَنْ كانت الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهَ وَلَمْ يَاتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلاَّ مَا قُدِّرَ لَهُ ) ) [2] ، وفي حديث آخر: (( مَنْ كانت الدُّنْيَا هَمَّهُ فَرَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِ أمرهُ وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَلَمْ يَاتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلاَّ مَا كُتِبَ لَهُ وَمَنْ كانت الآخرة نِيَّتَهُ جَمَعَ اللَّهُ لَهُ أمرهُ وَجَعَلَ غِنَاهُ في قَلْبِهِ وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِىَ رَاغِمَةٌ ) ) [3] ، وفي تفسير الطبري: (( عن مجاهد في قوله(إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ) قال: بذكر الآخرة فليس لهم همّ غيرها )) [4] ، وفي تفسير بحر العلوم للسمرقندي: (( قوله عز وجل: {إِنَّا أخلصناهم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدار} يعني: اختصصناهم بذكر الله تعالى، وبذكر الجنة، وليس لهم همّ إلا همّ الآخرة ) ) [5] ، فتوحيد الهم معناه أن لا يكون للإنسان سوى هم واحد فقط هو الله والآخرة فإنه عندئذ يرتاح، أما المشغول بهموم كثيرة فإنه يتعب.
ـ المسلم عنده رضا بما عنده، بل يشعر أن ما عنده لم يكن يستحقه فهو زائد عن أهدافه، لأن الإنسان لا يملك شيئا والمالك لكل شيء هو الله تعالى، فإذا أعطاه الله شيئا كالماء والهواء فذلك فضل يفرح به.
ـ أما الذي يظن أن ما عنده هو ملك له صنعه من كده وتعبه، فهو لا يرضى ويريد أن يستزيد لأنه يرى أنه ليس بضعيف وليس عنده صفات الضعف والنقص، لذلك قد يكون الإنسان غنيا وعنده الكثير من وسائل الرفاهية والراحة لكنه غير سعيد لأنه غير مكتفي وراض بما عنده وعنده طموحات وأهداف لم تتحقق بعد، وكلما تحقق له هدف من أهدافه يستجد له هدف آخر فيظل في سعي للسعادة ولن يصل إليها لأن الدنيا دار شقاء وليست دار سعادة وإقامة.
ـ الشهوات ذات متعة ضئيلة لسببين:
1 ـ بالمقارنة بشهوات ومتع الجنة فتصبح هذه الشهوات مجرد إسم فقط وليست بشهوات.
2 ـ هي في حد ذاتها ضئيلة، ولكن هذه الشهوات مزينة بمظهر خادع جدا بحيث تبدو للناظر على أنها لها متعة هائلة وبالتالي كأن لها قيمة كبيرة، ولكن إذا كان الإنسان عاقلا ذو بصيرة فإنه يراها على حقيقتها، وفي هذا الفصل نتناول ضآلة الشهوات في حد ذاتها.
ـ اليقين الحقيقي بضآلة الدنيا:
(1) قال الشيخ الشيخ الألباني: حسن (سنن ابن ماجه ج: 1، ص: 95، برقم 257)
(2) قال الشيخ الشيخ الألباني: صحيح (جامع الترمذي ج: 4، ص: 642، برقم 2465)
(3) قال الشيخ الشيخ الألباني: صحيح (سنن ابن ماجه ج: 2، ص: 1375، برقم 4105)
(4) تفسير الطبري - (ج 21 / ص 218)
(5) بحر العلوم للسمرقندي - (ج 4 / ص 21)