فهرس الكتاب

الصفحة 145 من 166

ـ والإنسان الذي يرى الشهوات ذات متعة كبيرة فينظر لها نظرة انبهار ومهابة وتعظيم وحب، في حين أنه لا يوقن بوجود الجنة يقينا حقيقيا لأنه لا يشعر بقيمة متع الجنة، كما أنه لا يشعر بحقيقة قيمة الشهوات في حد ذاتها فهي ضئيلة، فهو إنسان ميت لا يشعر بحقائق الأشياء وما فيه النفع له.

ـ ولا يتحقق الإيمان حتى يزول تعظيم الشهوات من القلب.

ـ أما اليقين الحقيقي بشهوات الجنة لابد أن ينشأ عنه خوف المهابة (الانبهار والشعور بالتعظيم) وحب الإعجاب بها، فإذا لم يحدث شيء من ذلك، فهذا يدل على عدم وجود اليقين الحقيقي بالجنة.

ـ إن الدنيا مزينة للإنسان لذلك فهو مستكبر مغرور بنفسه وبما عنده من الدنيا، ثم جاءت الرسل لتبين له حقيقة ضآلة الدنيا فمنهم من شعر بحقيقة ضآلته فخضع ومنهم من رفض الاعتراف بضآلته فرفض الخضوع ثم تغافل عن الأمر لأنه لا يجد مبررا ودليلا لرفضه الخضوع.

ـ ورغم أن الإنسان يعلم ضآلة نفسه وبالتالي عليه الخضوع فإنه يتجاهل ذلك ويصر على أنه ليس بضعيف وبالتالي لا يخضع، فيصر على أن ما عنده من شهوات ملكا له وليست نعمة من الله ويصر على أن هذه الشهوات عظيمة القيمة رغم أن الله جعلها ضئيلة حتى لا يفتن بها الإنسان.

ـ فقد تكون مشاعر الإنسان مستكبرة تأبى الخضوع رغم أنه بلسانه وباقتناعه النظري يقول أنه يخضع لله.

ـ الإنسان مخلوق كرمه الله وأعطاه من العقل والقدرة ما يصل به إلى التقدم العلمي والرفاهية، ولكن الإنسان قد يعتبر أن هذه المميزات هي من تلقاء ذاته ويقول بلسان المشاعر أن الجنس البشري هو الإله الذي يحكم الأرض، فكل شيء هو تحته يتحكم فيه وليس شيء فوقه يحكمه.

ـ وعبادة الهوى تنشأ من التزيين والغرور بالدنيا، فالشيطان يزين للإنسان الشهوات أو المظاهر أو المال أو غير ذلك من أمور الدنيا على أنه شجرة الخلد وملك لا يبلى!!: (( فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى ) ) [1] ، فمثلا المال ليس له عظمة أو قدر كبير، ولكن الشيطان يزين للإنسان أن للمال قدر كبير وأهمية وخطورة هائلة، وأن المال هو الذي تستطيع به شراء كل شيء وشراء سعادتك وفيه كل النفع لك فبه تحيا ومن غيره تموت، فيصنع للمال عظمة وهمية، فيشعر الإنسان بعظمة المال ويتعلق قلبه بالمال.

ـ الشعور بصفات النقص عند الإنسان:

ـ صفات النقص عند الإنسان مثل تعرضه للأمراض وللشيخوخة وللموت وحاجته للنوم وتعرضه للنسيان وحاجته للطعام والشراب، فكل هذا من صفات النقص، أما الخالق فهذه الصفات غير موجودة عنده، فله صفات الكمال والجمال، والشعور بصفات النقص عند الإنسان يجعله يشعر بالاستسلام والخضوع، ولكن البعض يوقن نظريا بما عنده من ضعف لكن لا يريد أن يستسلم ويخضع.

ـ التفكر مع حضور القلب لآيات الله في الكون تجعل الإنسان يشعر بمدى ضعف الإنسان ووقوعه تحت سيطرة وهيمنة الخالق.

ـ الذي يعبد هواه يجعل من نفسه إلاها!:

أنت يجب أن تعيش تبعا لمراد الخالق وليس تبعا لما تريده أنت لأنك عبد ولست حرا: (( أَيَحْسَبُ الْإنسان أَنْ يُتْرَكَ سُدًى ) ) [2] ، فالإنسان يظن أن الله خلقه ثم تركه يفعل ما يشاء فيعيش تبعا لما يريده الإنسان لنفسه على أنه له شأنه وهو حر مسئول عن نفسه فيفعل ما يشاء لنفسه ولكنه عبد ليس له أن يفعل ما يريده هو لنفسه ولكن يفعل ما يريده سيده منه، فيعيش تبعا لمراد سيده، فالذي يعيش تبعا لنفسه هو يعبد هواه ومزاجه: (( أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا ) ) [3] ، فإذا كان الإنسان يعيش وفقا لما يريده هو فهو يعبد نفسه وهواه وإذا كان يعيش وفقا لما يريده الله فهو يعبد الله، والإنسان يعلم في نفسه هل يعيش وفقا لأيهما ولكنه يتجاهل.

ـ الإنسان الذي يرفض أن يعيش وفقا لمراد غيره وما يهواه غيره معناه أنه يرفض أن يكون عبدا لأحد، فهو يعيش وفقا لمراد نفسه وهواه فيقال أنه يعبد نفسه أو يعبد هواه مجازا، فهو في الحقيقة يجعل من نفسه إلها ويرفض أن يكون عبدا.

ـ والإله هو الذي يمتلك صفات العظمة والقوة، ومن يمتلك صفات النقص والضعف فليس بإله، ومن ليس بإله فعليه أن يخضع ويسجد للإله، لأن الضعيف عليه أن يسجد للقوي، والقوى بحق له أن يستكبر على الضعيف.

ـ الإنسان يجعل من نفسه إلها ويستكبر أن يخضع، فالله إله بالحق والإنسان إله بالباطل، وبتعبير آخر فالله إله بالحق والهوى إله بالباطل.

ـ فالاستكبار معناه أن الإنسان يرى نفسه كبيرا وعظيما ويرى ما عنده من شهوات ودنيا كبيرة وعظيمة فيرفض الخضوع لله، ومعنى أنه يرى نفسه عظيما أي يجعل إلهه هواه: (( أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا ) ) [4] .

ـ وبتعبير آخر فالإنسان إما أن يسير وفق مراد نفسه فيتبع عقله وهواه ومزاجه ورأيه وشهواته ويكون حرا يفعل ما يشاء، أو يسير وفق مراد أحدا غيره فيبيع نفسه لغيره يفعل بها ما يشاء فيصبح هو نفسه سلعة تباع وتشترى في سوق العبيد ومن يشترى هذه السلعة فتكون من ضمن ممتلكاته يفعل بها ما يشاء فيكون عبدا مملوكا لسيده الذي اشتراه.

ـ فالإنسان إذا كان هو الذي صنع نفسه بنفسه فأوجد لنفسه عينه وأنفه وأذنيه وأوجد لنفسه ما يمتلك من نعم وأموال وأولاد فهي ملكا له وليس لأحد سلطة عليه أو عطاء أو صنع له شيئا، ففي هذه الحالة فالإنسان له أن يعيش وفق مراد نفسه وما يشتهيه وهذا حقه فهو حر يفعل ما يشاء، وهو عندئذ إله.

ـ ولكن الحاصل عكس ذلك فالإنسان هو نفسه عبارة عن مادة مصنوعة يمتلكها من صنعها، فالإنسان لا يملك شيئا ولا حتى نفسه فكل ما عنده من نعم وشهوات هو محض عطاء من الله فهو ليس إلا سلعة تباع وتشترى، ففي هذه الحالة يجب على الإنسان أن يعيش وفقا لمراد من صنعه ويمتلكه فيكون محبا لله لما أعطاه خاضعا لله لأنه لا يملك شيئا ولا حتى عقله فكل ذلك من صناعة الخالق.

ـ إذن فالإنسان إما أن يعبد الله أو يستكبر فيعبد نفسه أي يجعل نفسه إلاها، ولأن مراده الشهوات والدنيا فهو يعبد الدنيا أي يجعل الدنيا إلاها.

ـ وأصعب شيء على النفس هو التنازل عن كل الممتلكات والأهل والمال والشهوات وعن النفس والاعتراف بملكية هذه الأمور لصاحبها وهو الله فتصبح هذه الأمور بلا قيمة لأنها ليست ملكا للإنسان، فلا يتحقق الإيمان حتى تزول تعظيم قيمة النفس والمال والممتلكات من عقل (قلب) الإنسان: (( إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ) ) [5] والله لا يرضى بأقل من النفس والمال وإسلام كل شيء لله.

ـ الفرق بين اليقين النظري واليقين الحقيقي بضآلة الدنيا:

ـ الدنيا لا قيمة لها فهي زائلة عابرة صئيلة القيمة، والشيء الذي لا قيمة له ولا نفع فيه ولا ضرر فإن الإنسان يتجاهله ولا يهتم به ويتناساه ويتغافل عنه ولا تتعلق به مشاعره فلا يحبه ولا يكرهه ولا يخافه ولا يرجوه، فالإنسان يتعامل مع الدنيا كعابر سبيل لا يعيرها اهتماما كثيرا وأعماله الدنيوية تكون فقط لتحصيل الكاد منها، فإذا أكل إنما يأكل ليسد جوعته فلا يكون الطعام قضيته ولا يسعى لتحصيل المزيد من الطعام وكثرة الأكل فوق الشبع، وهكذا في سائر أمور الدنيا.

ـ إذن الإحساس بقدر ضآلة الدنيا لابد أن يؤدي إلى:

1ـ التعامل مع الدنيا كعابر سبيل فلا يعطيها كثير اهتمام لأن الآخرة هي التي تستحوذ على الهم لأنها الحياة وليست الدنيا.

2ـ لا تتعلق مشاعره وهمومه وأهدافه بها إلا في الله.

3ـ أعمال جوارحه لا تكون منصبة من أجل الحصول على الدنيا وإنما لتحصيل ما يؤدي الغرض.

ـ فإذا لم تحدث هذه الأمور الثلاثة فهذا معناه أن اليقين بضآلة الدنيا هو يقين نظري فقط، فالذي تهفو نفسه للدنيا وهو مقتنع تماما بضآلة الدنيا فهذا الاقتناع نظري فقط وحقيقة اليقين عنده هو يقين بعظمة الدنيا وعظمة النفع والضرر فيها، فهو يرى الدنيا على غير حقيقتها وهذا هو التزيين للدنيا.

ـ الإحساس بقدر ضآلة شهوات الدنيا (اليقين بأن شهوات الدنيا والأعمال الدنيوية لعب ولهو) :

ـ شهوات الدنيا من مأكل ومشرب ومتع وملذات ليست بمتع حقيقية ذات قيمة ولكنها مجرد لعب ولهو، ويجب أن يشعر الإنسان بأنه لا يحصد منها أحد شيئا فهي ضئيلة سواء في ذاتها أو بمقارنتها بمتع الآخرة، فالدنيا بنص الآيات عبارة عن (لعب ولهو) مثل لعب ولهو الأطفال: (( وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ) ) [6] ، (( إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ) ) [7] ، (( اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ) ) [8] ، (( وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا

(1) طه: 120

(2) الفرقان: 43

(3) الفرقان: 43

(4) الفرقان: 43

(5) التوبة: 111

(6) الأنعام: من الآية 32

(7) محمد: من الآية 36

(8) الحديد: من الآية 20

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت