ملكا لهم وليس يأخذونه كحق لهم ليملكوه نظير عملهم، والله يفعل بملكه ما يشاء، فانظر إلى الآيات: (( أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ ) ) [1] فالجنة رزق ومحض إنعام وتكرم، وفي الحديث: (( لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الْجَنَّةَ، قَالُوا وَلاَ أنت يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: لاَ، وَلاَ أَنَا إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِى اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ ... ) ) [2] ، ولن يأتي أحد في الجنة ويقول هذا القصر إنما أوتيته علي علم وهو ملك لي، فإنما هو نعمة من الله وملك له، وبالتالي فأصحاب الجنة يظل عندهم الخضوع والحب والذل لله مثل الملائكة وكل شيء، أما أهل النار فلم يكن عندهم الحب والخضوع لله تعالي فهذا جزاؤهم، إن معني أن الله هو المالك وأن الإنسان لا يملك شيئا هو أن يتنازل الإنسان عن كل شيء يملكه (يتنازل عن نفسه وممتلكاته وأهله وكل شيء) وينسبه إلى الله وهذا هو أصعب شيء علي الإنسان، فالنعم فيها متع للإنسان، كما أن التنازل عن كل شيء معناه الاستسلام والشعور بالخضوع والذل لمَنْ يملك روحك، وأن تقبل الذل في أن ما عندك إنما هو محض تكرم وإنعام ومنة من الله عليك.
ـ من أهم المشاعر الناشئة عن اليقين الحقيقي بأن الله هو المالك هو عدم الخوف من أي إبتلاء ولو فقد كل شيء دفعة واحدة لأن الإنسان إذا فقد شيئا لا يخصه ولا يملكه لم يبكي عليه، فما عنده من أمانة يأخذها صاحبها وليست تضيع منك لأنها تكون تحت تصرف صاحبها سواء بقيت معك أو أخذها منك، أما إذا حزن الإنسان على فقد أشياء من ممتلكاته المزعومة سواء من صحته أو ماله أو وظيفته أو أسرته وكان حزنه أكبر من رضاه فهذا يدل على أنه يوقن بأن هذه الأشياء ملكا له ولا يوقن بأن الله هو المالك ولا يوقن بالقضاء والقدر ويدل على عدم رضاه عن أفعال الله رغم يقينه النظري التام بأن الله هو المالك وبالقضاء والقدر وبأن الإنسان لا يملك شيئا، وإذا كان عنده حزن لكن رضاه أكبر من حزنه فهذا يدل على أن يقينه بأن الله هو المالك موجود ولكنه ضعيف ناقص، وإذا اختفى حزنه كان يقينه بأن الله هو المالك يقينا كاملا تاما، فالمؤمن يجب أن يكون يقينه تام فلا يحزن لفقد شيء إلا أن يكون حزن في الله أى يحزن على فقد شيء لكونه يحرمه من طاعة مثلا (ويستثنى من ذلك المشاعر الجبلية الفطرية التي هي خارج إرادة الإنسان) .
ـ الرضا بالقضاء والقدر
ـ الله سبحانه لا يسأل عما يفعل: (( لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ) ) [3] ، ففي تفسير البحر المديد: (( {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ(30) وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} ؟ أي: أيُّ شيءٍ أراد بهذا العدد المستغرَب استغراب المثل؟ .. أو: أيُّ حكمة في جعل الملائكة تسعة عشر، لا أكثر أو أقل؟ )) [4] ، إذن فلابد من الشعور بالتسليم والرضا بما أراد الله وقدر لكل شيء ولكل واحد من رزق وأجل، وفي الحديث: (( إن الله تبارك وتعالى يبتلي عبده بما أعطاه فمن رضي بما قسم الله عز وجل له بارك الله له فيه ووسعه ومن لم يرض لم يبارك له فيه ) ) [5] ، فكل الأمور وكل شيء يخضع لهيمنة الله وسيطرته خضوعا كاملا وسيطرة كاملة، فأنت وكل شيء خاضع لهيمنة الله وسيطرته الكاملة، وعلى الناس تنفيذ مراد الله منهم، والله لا يُسأل لماذا؟ ولا يحاسبه أحد، لماذا هذا ولماذا هذا؟، كما أن الله هو الذي خلق عقولنا وأفهامنا التي نفهم بها وخلق الأسباب التي نتعامل بها، والله فوق الأسباب والناس مقهورون تحت سلطانه، ولا يفهمون إلا ما أفهمهم الله، ولا يعلمون إلا ما علمهم الله، إذن فالشعور بالرضا بالقضاء والقدر معناه كمال الخضوع لله، فمَنْ لم يشعر بكمال الخضوع والاستسلام لله، فهو لا يشعر بالرضا الكامل بسلطان الله علي كل شيء وتحكمه في كل شيء وهيمنته علي كل شيء وأي شيء، أي لا يشعر بالرضا بقضاء الله وقدره، وإن كان مقتنعا نظريا تماما بقضاء الله وقدره سبحانه.
ـ إن الشعور بهيمنة الله تعالى على كل شيء يؤدي إلى أن يخضع العقل والقلب لله، فمقياس الصواب والخطأ ليس العقل وإنما الله من خلال شرعه وأمره، ومقياس ما يجعل الإنسان يفرح أو يحزن هو ما وافق أو خالف أمر الله، أما مَنْ لا يشعر بالخضوع لهيمنة الله تعالي فمقياس الصواب والخطأ عنده هو عقله ورأيه فهو يعبد عقله، ومقياس ما يجعله يفرح أو يحزن هو شهواته ودنياه فهو يعبد هواه: (( أَرَأيتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأنت تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا ) ) [6] .
ـ إن مفهوم القضاء والقدر يعني أن كل شيء مكتوب في اللوح المحفوظ، وأن العبد له مشيئة مقيدة، فمشيئة العبد وإرادته واختياره هي جزء من قدَرِ الله الذي كتبه، وأعمالنا مخلوقة وكل ما نصنعه وما نبنيه هو مخلوق لله (( وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ) ) [7] ، وهذا يعني الشعور بالاستسلام والانقياد والخضوع لله والشعور بالرضا والصبر وغياب الإحساس بقدر عظمة الله في هيمنته وتحكمه في كل شيء، فكل شيء سواء كان أو سيكون فهو وفق مشيئته، فالله بيده الأمر كله، وكل الناس علي اقتناع نظري تام بالقضاء والقدر، أما في لغة المشاعر فلا تجد الشعور بالاستسلام والانقياد والخضوع لله والشعور بالرضا والصبر، وقد يحدث للإنسان مصيبة فيقول الحمد لله ولكن قلبه ساخط غير راضي وإن قال: أنا راضي، وهو على اقتناع نظري تام بالقضاء والقدر، وعلى اقتناع نظري تام بأنه راضي!!، وتجده يقول (الحمد لله) لكنه من باب الروتين والتعود في الكلام، وفي الحقيقة قلبه ساخط، ونحن قد ندعي الصبر، فما ورد في القرآن هو الصبر الجميل وهو حبس القلب عن التسخط وحبس اللسان عن الشكوى، و هو أن تتجرع المر وأنت مبتسم في منتهي الأريحية والانبساط، فيتقبل الإنسان المصيبة برضا، وهو سكون القلب تحت مدار الأحكام واطمئنان للعاقبة وانتظار للفرج واحتساب للأجر.
ـ الشعور بأن الله هو المالك يؤدي إلى الشعور والرضا بالقضاء والقدر: إن الذي يشعر بأن الله هو المالك لكل النعم فإنه يصبر علي سلب النعمة لأنها ليست ملكا له وليست حقا له ويرضى بذلك، فقد جاء في تفسير قوله تعالي: (( الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ) ) [8] شرح ابن كثير معنى (إنا لله) : (( علموا أنهم ملك لله يتصرف في عبيده بما يشاء ) ) [9] ، فمالك الشيء يفعل به ما يشاء، فلا ضير أن يفعل الله بما يملك ما يشاء، فلو قطعك إربا إربا فإنك ترضي لأنك نفسك ملكا له خاضعا له، ومالك الشيء له الحق في أن يفعل بما يملك ما يشاء، بل إن الله لو عذب جميع الخلق لعذبهم وهو غير ظالم لهم لأنه مالكهم له الحق أن يفعل بما يملك ما يشاء: (( وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ) ) [10] ، (( لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ) ) [11] ، وفي الحديث: (( لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم ولو رحمهم لكانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم ولو كان لك مثل أحد ذهبا أو مثل جبل أحد ذهبا تنفقه في سبيل الله ما قبله منك حتى تؤمن بالقدر كله فتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك وأنك إن مت على غير هذا دخلت النار ) ) [12] ، إن الذي يشعر بأن حياته وكل شيء ملك لله وإنما هي نعم وعارية يستردها مالكها فعند الموت يكون راضيا لأن الله يأخذ ما يملكه ويكون شاكرا لله لأنه أعطاه هذه النعم طوال هذه المدة تنعم بها بغير استحقاق فتخرج الروح سهلة، لكن الإنسان قد يشعر أنه هو الذي جلب النعمة لنفسه من عقله وكده وتعبه، لذلك عند الموت فلا يريد أن يترك النعم فتخرج روحه بصعوبة لتعلقها بهذه النعم، ويكره مَنْ يقبض روحه، فعندما يأتيه الموت يكره هذا القدر.
ـ الحالة النفسية للشعور بالرضا: عندما يشعر الإنسان أن كل شيء بقدر الله ومشيئته، وأن الخالق من حقه أن يفعل بمخلوقه ما يشاء، فإنه يرضى بما يفعله الله ويسلم نفسه لله يفعل بها ما يشاء، فيعيش في حالة من الارتياح والسعادة النفسية، فهو لا يقلق بشأن ما حدث أو ما سيحدث فكله بقدر الله، فيعمل وهو هادئ مطمئن قد أسلم أمره لله وتوكل عليه سبحانه.
ـ الخالق لابد أن تكون له صفات الكمال في القدرة والقوة والعلم، والمخلوق له صفات الضعف والعجز، فهذا يجعل الإنسان يخاف من مهابة قدرة الله وبالتالي يخضع ويذل خوفا من مهابته، والعكس مع الخالق، فهذا أيضا يجعل الخالق العزيز الذي يذل له الناس والمتكبر الذي يخضع له الناس.
ـ الفرق بين اليقين النظري واليقين الحقيقي بأن الله هو العزيز:
ـ اليقين النظري بأن الله هو العزيز موجود عند الكفار وكل الناس: (( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ ) ) [13] ، ورغم ذلك فالكفار يتخذون أصناما لتكون لهم عزا، ويبتغون العزة في أصنامهم: (( وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ
(1) الصافات:41
(2) رواه البخاري (5735)
(3) الأنبياء: 23
(4) البحر المديد ـ موافق للمطبوع - (8/ 272)
(5) حديث صحيح: (السلسلة الصحيحة: ج: 4، ص: 215، برقم: 1658)
(6) الفرقان: 43
(7) الصافات: 96
(8) البقرة: 156
(9) تفسير القرآن العظيم ـ اسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي ـ دار الفكر ـ بيروت (ج: 1، ص: 198)
(10) الفتح: 14
(11) الأنبياء: 23
(12) قال الشيخ الألباني: صحيح (سنن ابن ماجه ج: 1، ص: 29، برقم 77)
(13) الزخرف: 9