مُهْتَدُونَ )) [1] ، فإن معنى (رب) أي يعطيك النعم ويتكفل برعايتك ويمدك بما تحتاج، فإذا كنت تبحث عن السعادة في المال فأنت تعبد المال، وهكذا يظن بعض الناس أن هذه الأشياء هي التي تجلب لهم ما يسعدهم فيبتغون في هذه الأسباب الرزق والسعادة، لذلك يقول تعالى: (( إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ ) ) [2] ، والسعادة رزق من الله فقط لعباده المؤمنين الصادقين في إيمانهم: (( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ) ) [3] ، (( الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ) ) [4] ، (( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) ) [5] ، أما غيرهم فمحرومون من السعادة النفسية: (( وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى(124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى )) [6] .
ـ الشعور بأن الله هو المالك:
ـ إن معني أن الله هو المالك وأن الإنسان لا يملك شيئا هو أن يتنازل الإنسان عن كل شيء يملكه (يتنازل عن نفسه وممتلكاته وأهله وكل شيء) وينسبه إلى الله وهذا هو أصعب شيء علي الإنسان، فالنعم فيها متع للإنسان، كما أن التنازل عن كل شيء معناه الاستسلام والشعور بالخضوع والذل لمَنْ يملك روحك، وأن تقبل الذل في أن ما عندك إنما هو محض تكرم وإنعام ومنة من الله عليك.
ـ تخيل أنك تعيش في مسكن أحد الناس وتأكل من طعامه وينفق عليك من ماله فبماذا تشعر وكيف يكون حالك؟، وكذلك الحال فالمسكن الذي تسكن فيه ليس ملكا لك، إنما هو ملك لله، وكذلك المال الذي معك إنما أعطاك إياه الله وهو مال الله، ولذلك إذا أردت أن تعصي الله فاخرج من تحت سماءه ومن فوق أرضه واخرج من ملكه إن استطعت!!.
ـ فالنفس تأبي أن تنكسر وتريد أن تكون هي المالكة ولا تريد أن يمن أحد عليها بعطاء أو يتكرم عليها بفضل، وأصعب شعور علي النفس هو الذل فلا تريد أن تركع وتسجد، فالركوع والسجود معناه الإقرار بالذل والإعتراف بالنقص، لذلك قد يركع الإنسان ويسجد بجسده لكن النفس تأبى أن تركع وتسجد أي تأبى أن تقر بالذل وتعترف بالنقص، وركوع الجسد عندئذ وسجوده لا قيمة له.
ـ والإنسان يظن أنه هو الذي جلب هذه النعم لنفسه لذلك فهو يخضع لنفسه وهواه: (( أَرَأيتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأنت تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا ) ) [7] .
ـ الإنسان ليس صاحب النعمة ولا الذي أنعم بها علي نفسه، فالإنسان قد يظن أنه هو الذي جلب النعمة لنفسه من عقله وكده وتعبه كما قال قارون: (( إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ) ) [8] كالمال والمسكن والعمل والجاه والسلطان فيظن أنها ملكا له وأنه مستحق لها، لذلك عند الموت فلا يريد أن يترك النعم كالمال والمسكن والزوجة والأولاد والجاه والسلطان أو نعم كالعين والآنف والصحة ... الخ، ولأنه يظن أنها ملكا له ولا يحق لأحد أن يأخذها وإلا كان ظالما ولذلك عند الموت تخرج روحه بصعوبة لتعلقها بهذه النعم، ويكره مَنْ يقبض روحه لأنه لا يشعر بأنها أمانة أو عارية يستردها صاحبها (وهو الله سبحانه) ، ولا يشعر أنه هو نفسه ملك لله تعالى، ولذلك علمنا الرسول (ص) أن نقول إذا توفي أحد: (( لله ما أخذ وما أعطى وكل شيء عنده إلى أجل ) ) [9] .
ـ فيجب أن يشعر الإنسان بقيمة الماء الذي يشربه فهو محض نعمة عظيمة من الله على العبد ولكننا لا نشعر بعظمة النعم واحتياجنا إليها وأنها محض تكرم من الله وأنها ليست ملكا لنا ولا حقا لنا ففي الحديث: (( لما نزلت {ثم لتسألن يومئذ عن النعيم} قال الزبير وأي نعيم نسأل عنه وإنما هو الأسودان التمر والماء قال أما إنه سيكون ) ) [10] أي سيكون من النعيم أن تسأل عن هذا التمر والماء، وفي الحديث: (( يؤتى بالعبد يوم القيامة فيقال له ألم أجعل لك سمعا وبصرا ومالا وولدا وسخرت لك الأنعام والحرث وتركتك ترأس وتربع فكنت تظن أنك ملاقي يومك هذا فيقول لا فيقول له اليوم أنساك كما نسيتني ) ) [11] ، وفي حديث آخر: (( ... فيقول أي فل ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع فيقول بلى أي رب فيقول أفظننت أنك ملاقي فيقول لا فيقول إني أنساك كما نسيتني ... ) ) [12] .
ـ ما يعمله الإنسان ليس جلب للرزق فهو فقط يسقي الأرض فيخرج الزرع، ويحفر الأرض ليستخرج المعادن والبترول ويقوم بالصناعة، فهو لم يصنع الماء والتراب والبذور التي تنبت الزرع، ولم يصنع المعادن والبترول الذي في باطن الأرض، والزراعة والصناعة هي من الرزق: (( أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ(63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (65) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (66) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (67) أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (69) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (70) أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71) أَأَنْتُمْ أَنْشَاتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (72 ) )) [13] ، ولو كان الرزق موجود في شكل جبل عند مكان ما، لذهب الناس ليأخذوه كله ويبعثروه ويضروا أنفسهم بكثرة الطعام والشراب وغير ذلك، ولكن الرزق موجود بشكل معين بحيث كلما احتاج الإنسان أخذ نصيبه الذي يحتاجه.
ـ والإنسان يظن أن ما به من روح هو أمر عادي وأن هذه الروح ملكا له وبها حياته الخاصة.
ـ الإنسان لا يملك سمعه ولا بصره: (( قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأمر فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ ) ) [14] .
ـ المالك يعني أن الله له ملكية كل شيء، فإذا ما تنازل الإنسان عن كل ما يملك وعن نفسه لينسب ذلك إلى الله المالك الحقيقي فيشعر أن ذلك محض تكرم وإنعام فيحبه ويذل لعطاءه مدين له بالولاء مرهونا وأسيرا لفضله منكسر النفس غير حر لأنه عنده النقص والعوز معترفا بذلك غير قادر على أن يقيت نفسه (فالله هو المقيت أى الذي يعطيه القوت) والله يمده باللقمة التي يأكلها وهو أسير وعبد لإحسانه منكسر المشاعر يشعر بالعجز أمامه ويشعر بأنه ما له حول ولا قوة، ومن هنا يحدث كمال الحب والخضوع لله، كما أن المالك يفعل فيما يملك ما يشاء فله حق الأمر والنهي، وقد جاء في تفسير معنى (إنا لله) في الآية: (( الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ) ) [15] أي: (( علموا أنهم ملك لله يتصرف في عبيده بما يشاء ) ) [16] وبالتالي الخضوع لأمر الله ونهيه.
ـ صعوبة الشعور بأن الله هو المالك:
ـ ما يملكه الإنسان من ممتلكات يمثل حياة الإنسان وراحته ويجد فيها متعه وشهواته، وبالتالي أصعب شيء على الإنسان هو أن يتجرد من كل ما يملك لينسبه إلى مالكه الحقيقي وهو الله سبحانه (أي الشعور بأن الله هو المالك) كما يتجرد من كل الصفات التي يعتز بها كالقوة والإرادة والسمع والبصر لينسب كل الأشياء إلى مالكها الحقيقي وهو الله سبحانه، أي ينسب الإنسان لنفسه كل صفات النقص والعوز والعجز والحاجة والضعف، وينسب كل صفات الكمال لله، وهذا معناه النقص والضعف والإحتياج إلى الله، والنفس لا تريد أن تكون تابعة لغيرها، تريد أن تكون مستقلة متحررة ذاتية معتمدة علي نفسها لا معتمدة علي غيرها (الله) فلا تريد أن تكون فيها نقص أو عوز كما تريد أن تكون مالكة تدير نفسها وترزق نفسها، والإنسان يظن أنه غير محتاج لغيره، والله هو الصمد أي الذي يحتاجه الناس، والنفس لا تريد أن تخضع وتركع لمن يمن عليها ولمن له قدرة عليها كما ترفض أن تعترف بعجزها أمام من هو أقوى، فالنفس تريد أن تتصرف كما لو كانت هي التي أوجدت نفسها أو أنه لا أحد أوجدها، رغم أنه في الاقتناع النظري تعلم بأن لها خالق: (( أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ) ) [17] ، فالنفس تريد أن ينصرف الذهن والقلب لها لا لغيرها، والإنسان يظن أنه هو الذي يملك ويظن أنه هو العليم الحكيم الذي يستطيع أن يدير نفسه بنفسه، ولا يحتاج لعلم غيره وهو بذلك لا يشعر بأن الله هو الصمد (الصمد أي الذي يحتاج إليه الناس في كل شيء) .
ـ الله هو المالك سواء في الدنيا أو في الآخرة فهو المالك دائما وأبدا (( مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) ) [18] ، (( فَلِلَّهِ الآخرة وَالْأُولَى ) ) [19] ففي الآخرة أيضا لا أحد يملك شيئا فالجنة والنار ملك لله تعالى، وما يعطيه الله لأهل الجنة هو عطاء من عنده وليس
(1) الأنعام: 82
(2) العنكبوت: من الآية 17
(3) محمد: الآية 2
(4) الأنعام: الآية 82
(5) النحل: الآية 124 ـ 126
(6) طه: من الآية 17
(7) الفرقان: 43
(8) القصص: من الآية 78
(9) قال الشيخ الألباني: صحيح (سنن أبو داود ج: 3، ص: 193، برقم 3125)
(10) قال الشيخ الألباني: حسن (سنن ابن ماجة، ج: 2، ص: 1392، برقم 4158)
(11) تحقيق الألباني: صحيح (صحيح الجامع: برقم 7997)
(12) تحقيق الألباني: صحيح (صحيح الجامع: برقم 7032)
(13) الواقعة: 63 ـ 72
(14) يونس: 31
(15) البقرة: 156
(16) تفسير القرآن العظيم ـ اسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي ـ دار الفكر ـ بيروت (ج: 1، ص: 198)
(17) الطور:35
(18) الفاتحة: 4
(19) النجم: 25