فهرس الكتاب

الصفحة 86 من 166

الله: (( كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) ) [1] ، وتشعر بضعفك وضآلتك حيث يفعل الله بك ما يشاء فيحييك ثم يميتك ثم يحييك: (( قُتِلَ الْإنسان مَا أَكْفَرَهُ، مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ) ) [2] .

ـ والزروع تراها أمام عينك بذور ميتة تتحول إلى أشجار حية تتنفس وتكبر ثم تموت، فإذا لم يؤثر كل هذا في الإنسان فيشعر بالرهبة من أمر البعث وخطورته ويشعر بالخضوع والاستسلام لله، فهذا معناه أن الإيمان بالبعث هو إيمان نظري فقط وليس إيمانا حقيقيا.

ـ فلو أن إنسان وضع في يده حفنة من التراب ثم قال لك انظر إلى هذا التراب فلما نظرت إليه وجدته يتحول إلى برتقالة!، إنك تقول إن هذا الإنسان ساحر، إن هذا الأمر يحدث بالفعل ولكن الساحر هنا ليس إنسان ولكنه بذرة البرتقال حيث تستطيع بذرة شجرة البرتقال أن تستخدم تراب الأرض وتحوله إلى برتقال!، وهكذا كل النباتات والزروع، وفي الحقيقة فإن بذرة البرتقال ليس لديها القدرة على عمل ذلك ولكن هناك قوة خارجية خفية هي التي تمكن بذرة البرتقال من هذا العمل.

ـ فالتراب الذي هو جماد تحول إلى كائن حي (نبات) : (( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ) ) [3] .

ـ نحن مسافرون من كوكب الأرض في المجموعة الشمسية إلى أرض المحشر حيث نترك هذه الحياة المؤقتة على كوكب الأرض إلى الحياة الجديدة والإقامة الدائمة وتبدأ الرحلة من حيث الموت! وتنتهي بالوصول إلى أرض المحشر ثم الانتقال إلى عالم المتع والشهوات (الجنة) أو المعيشة الدائمة داخل نار محرقة.

ـ الموت معناه تسليم الأمانة لصاحبها!، فالله هو المالك لكل شيء، فأنت تعيش في ملك الله وعلى أرض الله، والهواء الذي يتنفسه ملك لله، والشقة التي تسكن فيها هي ملك لله، وأنت نفسك وجسمه ويدك وزوجتك وأولادك ملك لله تعالى، وكل ذلك أعطاك الله إياها كأمانه يستردها في موعد محدد، هذا الموعد هو الموت، فالموت هو سلب لكل النعم، والإبتلاء هو سلب لبعض النعم، فالموت معناه أن تترك كل شيء مالك وأهلك ووظيفتك وأعضاؤك وروحك التي تجعلك تتحرك، وكل ذلك ليس ملكا لك وإنما أمانة يستردها الله منك، فهذا هو معنى الموت، فمن عرف معنى الموت معرفة حقيقية فإنه لا يفزع من الموت لأنه إعطاء الأمانة لصاحبها وأنت محبا له لأنه جعلك تستفيد منها طوال هذه المدة التي عشتها في الدنيا.

ـ لا يتحقق الإيمان بغير الإيمان بالموت ففي الحديث: (( لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع: يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله بعثني بالحق، ويؤمن بالموت، ويؤمن بالبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدر خيره وشره ) ) [4] .

ـ إن كل إنسان عنده اقتناع نظري تمام وبلا أدنى شك أنه سيموت ويترك كل شيء، لكن بلسان المشاعر فكأنما يقول: لن أموت أو لا أريد أن أموت، خاصة إذا كان صاحب جاه ومنصب ودنيا وممتلكات فكون أنه يموت ويكون تحت التراب فهذا في لغة المشاعر هراء ولا يمكن أبدا! (( وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ) ) [5] ، إن الإنسان لو شعر فعلا بالموت لشعر بالخوف والقلق وشعر بمدي ضعف الإنسان وشعر بأن هناك قوة أعلي من الإنسان هي التي تميته وتفعل به ما تشاء هي قوة الله تعالى، وشعر بالخضوع لمن له هذه القوة، ولتغير حاله تماما، كما أن الناس لو شعروا بالموت لما نظروا إلى أصحاب الجاه والمناصب والممتلكات نظرة تعظيم، ولكن الموت في مشاعر البعض كلمة عادية روتينية فلا يشعر بما تعنيه الكلمة من خطر، حيث كلمة الموت في لغة المشاعر تعني فقدان كل شيء وتعني ذهاب عن الدنيا بلا رجعة، إن الرسول (ص) يأمرنا بالذهاب إلى المقابر لا لنعرف ونقتنع بأننا سنموت فكل إنسان علي اقتناع نظري تام بالموت ولكن لنشعر بالموت ونتصوره، إن الإحساس بخطورة الموت يؤدي إلى شعور بضآلة الدنيا وشعور بغباء مَنْ يسعى لها، فأيهما يفضل الإنسان ويريد؟ حياة الدنيا أم حياة الآخرة؟: (( فَأَمَّا مَنْ طَغَى، وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَاوَى ) ) [6] ، كما أن الذي يشعر بالموت لا يهمه كل مصائب الدنيا لأنها أقل من مصيبة الموت، ولأن مصائب الدنيا تعني ترك جزء مما تملك من صحة أو مال أو ممتلكات .. إلخ، أما الموت فهو ترك كل شيء، إذن سواء تركت شيئا مما تملك في حياتك أم لم تترك فالنهاية واحدة هي أنك تترك كل شيء عند الموت،

(1) البقرة: 28

(2) عبس: 17 ـ 19

(3) العنكبوت: 63

(4) تحقيق الألباني (صحيح) : (صحيح الجامع برقم 7584)

(5) البقرة: 96

(6) النازعات: 37

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت