ـ الإنسان عندما يذهب إلى الآخرة فيعيش حياة القبر ثم يعيش أهوال يوم الحساب ثم يعيش الحياة في الجنة أو في النار، الإنسان في أي مرحلة من هذه المراحل يرى أيام عمره في الحياة الدنيوية ضئيلة وحقيرة ويندم على ما كان عليه من اهتمام بهذه الحياة المؤقتة على كوكب الأرض وهي لا تساوى شيئا ويتحسر على تفريطه.
ـ قيمة الحياة الدنيوية بين من يعيش في الدنيا من أجل الآخرة وبين من يعيش في الدنيا من أجل الدنيا:
ـ المؤمن يعيش الحياة الدنيوية وكل نظره على الآخرة وكل شيء يقيسه على أساس قيمته في الآخرة، فهو يرى المتمتع بهذه الحياة ويعيش في شهواتها على أنه غير متمتع بل أنه يورد نفسه موارد الهلاك لأن هذه المتع تنقلب عليه عذابا فضلا عن أنها في حقيقتها متع ضئيلة زائلة مؤقتة، وهو يرى المعصية التي فيها لذة هي في الحقيقة فيها عذاب لأنها تجره إلى ألم شديد في الآخرة.
ـ المؤمن يحدث دائما في ذهنه تصور عن الآخرة مرات عديدة في يومه وليله، فهو مشغول بالآخرة باستمرار، فالمؤمن يعيش الآخرة وهو في هذه الحياة المؤقتة على كوكب الأرض، أما الذين يعبدون هذه الحياة المؤقتة على كوكب الأرض ويعبدون أهواءهم فيحدث دائما في ذهنه تصور عن هموم هذه الحياة المؤقتة على كوكب الأرض ومشاغلها وما يتعلق بالمال أو الشهوات أو المظاهر مرات عديدة في يومه وليله، فهو مشغول بهذه الحياة المؤقتة على كوكب الأرض باستمرار.
ـ قيمة هذه الحياة الدنيوية بين إنسان عاد من الآخرة إلى الدنيا وبين من يعيشون في الدنيا اليوم:
ـ تصور لو أن رجلا عاد من الآخرة إلى الناس ماذا يمكن أن يقول لهم؟ إنه سوف يجد الناس يعتبرون هذه الحياة الدنيوية معيشتهم وأن حياتهم هنا في هذه الحياة المؤقتة على كوكب الأرض، ويجد أمورا يراها الناس عظيمة جدا مثل أمور التقدم والتكنولوجيا الهائلة لكنه يراها لعب ولهو أمام أمور الآخرة.
ـ أصل الخلل هو غياب الإحساس بالغيبيات:
إذا أردنا أن نحدد بدقة متناهية تماما أصل أصول الخلل فنقول هو غياب الإحساس بالغيبيات، فمحور حياة الإنسان وعمله وقيامه وقعوده وكل حركته وكل مشاعره من فرح وحزن وخوف ورجاء ... إلخ يدور حول واحد من اثنين لا ثالث لهما هما:
1 ـ محور ما يراه الإنسان فقط، أي محور الدنيا، فهذا الإنسان محور حياته وفرحه وحزنه وردود أفعاله وكل شيء في حياته يدور حول أمور الدنيا من مال وطعام وشراب ومظاهر .... الخ، وقد يكون محور حياته يدور حول واحدة من أمور الدنيا وليس كلها، فقد تدور حياته حول محور الموضة أو المال أو ... الخ، وهذا الإنسان يعبد الشهوة والدنيا من دون الله، وهذا الإنسان دنيوي أي قضيته التي يعيش لها هي الدنيا.
2 ـ محور ما لا يراه الإنسان، أي الغيب، فهذا الإنسان محور حياته وفرحه وحزنه وردود أفعاله وكل شيء في حياته يدور حول الغيب، وهذا الإنسان يعبد الله، وهذا الإنسان غيبي أو أخروي أو رباني أي قضيته التي يعيش لها هي قضية غيبية.
ـ ومعنى كلمة (دين) أو (عبادة) أي المحور الذي يدور حوله الإنسان بمشاعره وأيضا بعمله، فإذا كان ذلك المحور الدنيا فالإنسان يعبد الشهوة، وإذا كان ذلك المحور الغيب فالإنسان يعبد الله، فأصل الدين أو العبادة هو خوف المهابة والحب والخضوع وخوف العقاب والرجاء، فإذا توجه خوف المهابة والحب والخضوع وخوف العقاب والرجاء لله فذلك عبادة الله، وإذا توجه للمال أو الدنيا فذلك عبادة الهوى.
ـ وكل إنسان أدرى بنفسه، لكن لا يستطيع أحد أن يحدد هل فلان غيره محور حياته الدنيا أم الآخرة لأنها مسألة مشاعر لا يعرفها غير الإنسان في نفسه.
ـ الفرق بين اليقين النظري واليقين الحقيقي بالبعث:
ـ لو أن إنسان مات منذ سنين وبلي جسمه ثم أخبروك أنه سوف يقوم حيا يسعى إليك وتراه وتتحدث معه، إنه أمر مرعب يجعلك ترتعد وتخاف، وسبب هذا الرعب أن ذلك الأمر خارق للأسباب، إن هذا الأمر سوف يحدث بالفعل لجميع الناس ولكن أنت ستكون واحدا من هؤلاء الذين يقومون بعد أن ماتوا وفنيت أجسامهم، إن هذا الأمر حقيقة فعلية وقادمة قريبا فلماذا لا تصاب بالخوف من مهابة هذا الأمر ولماذا لا تنشغل به، ذلك لأن قضية البعث ليس لها قيمة في مشاعرك فأنت غافل عنها كأنها لن تحدث على وجه الحقيقة.
ـ بل إنك كنت ميتا ثم أحياك الله، فكنت نطفة ميتة لا روح فيها في رحم أمك ثم نفخ الله فيك الروح فأصبحت حيا، وهذا ما تراه كل يوم لجميع الناس حيث يخلق الله الأطفال في الأرحام وينفخ فيها الروح، إن ذلك أشد عجبا وغرابة وليس سحرا ولكنه حقيقة وخرق للأسباب، فلماذا لا تشعر بالتحير والتعجب من مدى عظمة الخالق وقدرته فتشعر بالاستسلام والخضوع لقدرة